الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 3
الجزء ٣ · صفحة ٣٤المقدّمات في قصائد أبي مسلم نوعان : نوع سار فيه على نهج القصيدة العربيّة القديمة، التي يلجأ فيها الشّاعر إلى الوقوف غلى الأطلال ، والسّؤال عن الأحبّة، والحديث عن الشّوق والحنين ومزج ذلك – أحيانا – بالغزل وغيره. ونوع كان يعتمده و يختاره ليكون تمهيدا لمضمون قصائد ه، ومنه يتخلّص ببراعة إلى موضوعات هذه القصائد.
في النّوع الأوّل، لا نجد له قصائد كثيرة. وإنّ أوضح ما يبرز توع هذه المقدّمة قصيدتان ، كلتاهما كانت احتذاء وتقليدا لمن سبقه . القصيدة الأولى هي مقصورته التي عارض بها مقصورة ابن دريد، والثّانية مديح التزم فيه بطريقة أو منهج شعراء المديح، وعلى رأسهم البوصيري، إمام هذا الفنّ الشّعري . ويرى الدّكتور سمير هيكل أن الشّاعر نحا النّحو نفسه في مقدّمة " نونيّته" و" ميميّته " : " ويلاحظ أنّ مقدّمة أبي مسلم ( في النّونيّة ) هي أشبه ما تكون بمقدّمات القصائد الجاهليّة، من حيث الأسلوب واستخدام المفردات. وليست هذه هي المقدّمة الوحيدة في ديوانه التي يأتي فيها الشّاعر بمقدّمة تشبه من حيث الشّكل مقدّمات الجاهليّين، وإنّما نلحظ ذلك في مقدّمة ميميّته المشهورة." (1)
فكأنّي بأبي مسلم أراد أن يكون وفيّا لأسلافه الذين سبقوه في القول، وملتزما بطريقتهم. وقد يكون ذلك محاولة منه لإثبات قدرته على مجاراة الأقدمين في النّظم ، وقد يكون الطّموح إلى التّفوّق عليهم ، كما كان يفهم أو يستنتج من صنيع شعراء الإحياء، الذين كثرت عندهم المعارضة والتّخميس والتّشطير… لنتأمّل هذه الأبيات من مقدّمة " المقصورة " :
تلك ربوع الحيّ في سفح النّقا… تلوح كالأطلال من جدّ البلى
أخنى عليها المرزمان حقبة… وعاثت الشّأمل فيها والصّبا
موحشة إلاّ كناس أعفر ومجثم الرّأل …وأفحوص القطا
عرّج عليها والها لعلّها تريح شيئا من تباريح الجوى
(1) 75) قراءات في فكر البهلاني الرّواحي ، ص : 69