الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 3
الجزء ٣ · صفحة ٣٩لقد كان بين البداية والنّهاية تناغم وتوافق، البداية حنين وتذكّر لمرابض الحبيب ومواطن الهيام ومواضع الغرام. الحبّ الذي هو في ظاهره للمحبوبة، وفي باطنه هو لمن يكنّ لهم المحبّة والتّقدير، هيام بمن يتّصف بأخلاق الإسلام. والنّهاية تسجيل لهذه الشّمائل، ودعوة النّاس إلى التّحلِّي بها.
إنّ الشّاعر يبدأ بعض قصائده بالحنين والتّذكّر ؛ ليدفع بنفسه كي تتذكّر الماضي والتّليد ، وبذلك يشبع في نفسه رغبة التّعلّق بالوطن وبما له صلة به ، وليعوّض عن الحرمان الذي سبّبته له هذه الغربة، وليستلهم هذه الأيّام الغابرة الخالدة العامرة بالفضائل، ومن ثمّ يستنهض الهمم الخامدة، ويحرّك القلوب الباردة، ويثير النّفوس الهامدة. وليقدّم ما عليه من واجب، وما عليه من فرض. وقد لمحنا هذه الطّريقة وهذه المقدّمات في أغلب قصائده الرّثائيّة، وقد بيّنا ذلك في مبحث الرّثاء من هذا البحث.
عن هذه المقدّمات التي تميّزت بها قصائد أبي مسلم يقول الدكتور أحمد درويش : " إذا كانت هناك معلومات جادّة كهذه فإنّ الشّاعر يمهّد لها بمناخ شعري مكثّف، تزاحم فيه الصّور وتهيّأ المشاعر، وتعلو نبرة العاطفة، وتسمو فيه اللّغة عن لغة النّثر ولغة المعلومات، فإذا صُبَّ قدر من هذه المعلومات فيما بعد فإنّ متلقّي الشّعر يكون حلّق في طبقة معيّنة، لا يحسّ معها كثيرا بجفاف المعلومة. " (1)
في ختام هذا المبحث نسجّل هاتين الملاحظتين :
(1) 80) تطوّر الأدب في عمان ، ص : 170 . ينظر أيضا تعليق الدّكتور محمد ناصر على هذا الأسلوب كتابه ، أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ، ص : 159.