الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 3
الجزء ٣ · صفحة ٥٢لو استعمل الشّاعر الصّخر أو الحجر أو الجبل لكان أقوى ، أمّا الحصا فتبدو غير مؤثّرة، ولا معبّرة تعبيرا قويّا عمّا كان يعانيه .
إذا كانت الصّور السّابقة يبدو بعضها بسيطا وبعضها ضعيفا؛ لإغراقها في النّمطيّة والابتذال فإنّ الصّورة الآتية تظهر أحسن حيويّة وأكثر رواء، رغم اعتمادها على التّشبيه وبنائها من صورة قديمة :
ببني الدّهر علّة ليس تشفى بدواء حتّى لقاء الحتوف
لا تحاول علاجهم بكمال آفة الدّهر في كمال الشّريف
وتموت الجعلان في نفحة الطّيـ ـبِ وتحيا سعيدة في الكنيف(1)
الصّورة لا تحتاج إلى توضيح ما فيها من إيحاء وتكثيف، بما نقلت من شعور الشّاعر بالضّيق من تصرّف لا يتناسب مع الفطرة ومع ما يليق بالإنسان العاقل المتميّز عن بقيّة المخلوقات، فقد انقلبت عنده الموازين فأصبح لا يعيش إلاّ على ما ينبذه الذّوق والحسّ السّليم، ولا يجد سعادته المقلوبة إلاّ في البيئة النّتنة، وقد عبّر عن ذلك وصوّره التّشبيه الضمني الذي بنى منه الشّاعر صورته، وهي صورة الجعلان الذي يموت إذا شمّ رائحة زكيّة، وينتعش ويحيا إذا وجد كنيفا ورائحة كريهة يتململ فيها. بمعنى إنّ الإنسان طبع على فعل الشّرّ، وتأصّل فيه الدّغل والغشّ والخداع ، وكلّ الأعمال الخبيثة، ولا يجد سعادته إلاّ حين يمارس ذلك فيها، فهو كالجعلان تماما.
صراع الشّاعر مع الدّهر لم ينته ولم يتمكّن من التّخلّص منه يوما ما، لذا نراه يكثر من تصوير هذا التّصادم معه. في هذه المرّة أيضا يلجأ إلى التّشبيه الضّمني، فيبني منه صورته الآتية وهو يعبّر عن علاقته بهذا الدّهر.قال يخاطب الشّيخ سالم بن أحمد الرّيامي، وقد رحل عنه إلى الأبد، وهو الذي كان ينافح ويدفع عنه صروف الدّهر وعتوّه عليه :
وأعداء أرادوا حذف جاهي كسرتهم بآلات السّكون
فلم تحذر لهم برقا ورعدا وما شأن الذّبابة والطّنين (2)
(1) 108) م .س ، ص : 449 .
(2) 109) م . س ، ص : 420 .