الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 3
الجزء ٣ · صفحة ٥٣ومن الصّور التي بناها الشّاعر على الاستعارة قوله وهو يخاطب الشّيخ السّالمي :
ارجع فإنّ الاستقامة أرملت ارحم يتيمك وهو دين البّاري(1)
وقال عن وفاته :
أشعل البرق علينا جذوة فانطفا واتّقدت فينا الشّعل(2)
وعن وفاة الشّيخ راشد الغيثي قال :
هناك اقشعرّ الرّوض واغبرّ جلده وذاك روض النّعمة المتسوّم(3)
قال يصف أسلافه الذين يعتزّ بهم وبأخلاقهم، فلجأ إلى الاستعارة والتّشبيه، وإلى استلهام الصّورة التي قدّمها سلفه أبو حمزة الشّاري عن أصحابه الشّباب، الذين أضنتهم العبادة، ورقّق قلوبهم الخوف من الله وخشيته، وأرهق أجسامهم كثرة السّجود…
أنضاهم التّسبيح والتّرتيل والتّهجيد بين جوانح الأسحار
خبت إذا جنّ الظّلام رايتهم طاروا إلى الملكوت بالأسرار
غرّ إذا سجد الظّلام على الفضا سجدوا على التّفنات كالأحجار
قطع النّحيب صدورهم وكأنّما وضعوا السّحائب موضع الأشفار(4)
وقال أيضا :
وصيّر البرق جفني من سحائبه يا برق حسبك ما في الأرض ظمآن(5)
مطلع النّونيّة يتضمّن صورة شعريّة فنيّة، بناها الشّاعر من الاستعارة المكنيّة؛ حيث يستبدّ الشّوق والحنين به، وتهتاج نفسه حين يرى البرق يلمع في الأفق، فيحرّك فيه وفي نفسه الهوى والجوى والوجد نحو المعاهد والمرابع والمهاد، التي كان يعيش فيها، والتي نزح عنها، ولم يستطع الرّجوع إليها؛ لأنّ القدر المحتوم الذي فرض عليه النّزوح عن بلده لا يغلب، كما أشار إلى ذلك في قصيدته.
وقد تصوّر البوارق حداة كحداة القوافل، التي تتقدّمها، فتحرّكها بصوتها الشّجيّ، وألحانها المطربة المنعشة :
تلك البوارق حاديهنّ مرنان فما لطرفك يا ذا الشّجو وسنان(6)
(1) 110) م . س ، ص : 402 .
(2) 111) م . س ، ص : 406 .
(3) 112) م . س ، ص : 427 .
(4) 113) م . س ، ص : 401 .
(5) 114) م . س ، ص : 299 .
(6) 115) م . س ، ص :299 .