ندوة الخطاب الديني في شعر أبي مسلم البهلاني الرواحي مجهول

الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 3

الجزء ٣ · صفحة ٦٤

كلّ هذه الظّواهر ولّدها الجانب الموسيقي الذي عمد إليه الشّاعر بفطريّة، من دون تكلّف، وانسيابيّة لا تعرف الحدود. وهو ما وصف الشّاعر أبا مسلم بالمبدع. " فالإبداع في الشّعر والتّأثير في الغير – باستغلال عنصر الموسيقى – يحصل حين يحسّ الشّاعر بانسياب الموسيقى في شعره وسريانها في تجربته الشّعريّة عن فطرة وسجيّة؛ وذلك حين يكون الصّدق الفنّي متوفّرا، والاستعداد للنّظم موجودا، والمعاناة الانفعال النّفسيين عاليين."(1)

ينظر مثلا الأبيات الآتية ويلاحظ ما فيها من تكرير الحروف والمقاطع والكلمات وإحداث التّوازن بين المقاطع عن طريق التّرصيع ؛ وقد حرص الشّاعر على إيجاد الموسيقى الدّاخليّة فيها، ويتأمّل أثرها الإيجابي أو السّلبي في العمليّة الشّعريّة :

هم وسعوا الكون حلوما وهدى وصائلا ونائلا ومجتدى

هم أمجدوا وأنجدوا وأوجدوا وأفقدوا وطوّلوا الباع الوزى

هم جرّدوا وشرّدوا وطرّدوا وأوعدوا وأوردوا بحر الجدى (2)

والنموذج الآتي حرص الشّاعر فيه أن يوجد الموسيقى بواسطة تكرير صيغة واحدة، هي وزن " مفعل "، من دون أن يظهر فيه التكلّف، وهو ينزع هذا المنزع "نشدانا لأهداف فنيّة دقيقة في بناء قصيدته." (3) :

أنشدها من مسجد فمعهد فمنهج فمجمع فمنتدى

فلم أجد منشودتي في موضع ثمّ حدست أنّها رهن الثّرى (4)

يميل الشّاعر أحيانا إلى توليد المعاني واشتقاقها من كلمات تأتي متجاورة في السّياق،أو متساوقة في إبراز المعنى. كقوله وهو ينعى على النّاس خمولهم وخمودهم وتقاعسهم عن القيام بالواجب نحو الوطن والأمّة والكرامة… :

(1) 147) أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث ، ج2 ، ص : 344 . تنظر لوحة أخرى فيها هذه المواصفات التي ذكرناها للأبيات السّابقة ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ص : 342 .

(2) 148) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 348 .

(3) 149) تطوّر الأدب في عمان ، ص : 193 .

(4) 150) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 350 .

١٦٢ / ١٧١