الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 3
الجزء ٣ · صفحة ٦٦شعر أبي مسلم لم يخلُ من هذا الجانب. فعلى القافيّة المنتهية بحرف الدّال المسبوقة بحرفَي المدّ الياء والواو كتب الشّاعر يرثي الحاج مجمد طفيش. وقد بدا في القصيدة متأثّرا أو مستوحيا الفاصلة القرآنيّة التي انتهت بها بعض آبات سورة " ق ".
إنّ هذه السّورة تناولت موضوعات تنذر النّاس بيوم المصير، بما في ذلك الموت والحساب والثّواب، وأشارت إلى أهوال يوم القيامة، وذكّرت بنعم الله على عباده، وسجّلت عقوق النّاس لربّهم؛ رغم تفضّله عليهم بنعم كثيرة… وبذلك حقّ وعيد الله على النّاس ، إلى غير ذلك من الموضوعات التي تتّصل بوصف حياة النّاس في الدّنيا، وعلاقتهم بالمنعم عليهم ، وعدم تصديقهم بما ينتظرهم بعد موتهم.
إنّ الشّاعر لم يبعد عن هذا الجوّ وهو يرثي عالما كبيرا وعاملا عظيما في الحقل الإسلامي والمجال الدّيني، وميدان النّصح والإرشاد والتّوجيه وتصحيح العقيدة وتقويم الانحراف…
لقد كانت وفاة المرثيّ فرصة لتنبيه النّاس إلى عدم الاهتمام بحطام الدّنيا وزخرف الحياة على حساب الآخر، وما يتّصل بهذه الأفكار والمعاني بصلة. وقد وردت في القصيدة كلمات لها علاقة بالسّياق الذي جاءت في سورة " ق " : ( وعيد، شهيد، عتيد، مزيد، حديد، شديد، جديد، حصيد، بعيد، تحيد، محيد…) بل إنّ الشّاعر اقتبس عبارات كاملة من السّورة، مثال ذلك ما جاء في البيت الآتي :
أليس لأنّ الحشر والنّشر آزف ولم يبق إلاّ سائق و شهيد (1)
قال تعالى : ﴿ وجاءت كلّ نفس معها سائق وشهيد ﴾ (2) بل إنّ البيت يتنفّس كلّه في جوّ القرآن. فبالإضافة إلى العبارة السّابقة هناك كلمات ( الحشر ،النّشر، آزف) كلّ واحدة منها ترتدّ بنا إلى آية قرآنيّة أو أكثر .
يقول الشّاعر أيضا :
وما هو إلاّ سكرة الموت بغتة وذلك أمر كنت منه تحيد (3)
(1) 155) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 397 .
(2) 156) سورة ق ، الآية : 21 .
(3) 157) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 397 .