الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 3
الجزء ٣ · صفحة ٦٩فتكريره لفظة الهوى أربع مرّات في مقام النّعي واللّوم يدلّ على عدم رضاه على سلوكه هذا ،فكانت هذه القافيّة المستلهمة من الفاصلة القرآنيّة المذكورة، ملهمة له كي يعبّر عن المعنى الذي أشرنا إليه، وهو محاولة ردع نفسه عن الاسترسال في هذا المسار.
للشّاعر أيضا قصيدة غزليّة أخرى تتكوّن من تسعة أبيات، استلهم فيها سورة المزّمّل. نذكر منها هذه الأبيات :
ما الهوى في السّواد إلاّ جنون والهوى في البياض أقوم قيلا
ليس من ضلّ بالنّهار كمن ضلّ بليل ، فذاك أهدى سبيلا
من عذيري ممّا جنته العذارى أخذتني في الحبّ أخذا وبيلا (1)
11- الخاتمة
إنّ أبا مسلم شاعر لم يخرج عن دائرة الخطاب الدّيني في كلّ ما كتب. كانت له رسالة واحدة أو قضيّة واحدة هي النّهوض بالأمّة الإسلاميّة: دينيا واجتماعيّا وثقافيّا، ومعالجة أسباب التّخلّف فيها ودواعي الذّلّ والمهانة والخذلان في سلوكها وحياتها. وهو شاعر لم يخرج أيضا في أسلوب كتابته عن خطّ مدرسة الإحياء: لغة وتصويرا وصياغة، إلاّ ما انفرد به من ملامح، كانت نتيجة خصائص تميّزت به شخصيته التي كانت تصدر عن الدّين، وترتبط بالمبادئ الصّلبة الثّابتة. من هنا كان لا يصدر منه إلاّ خطاب دين، بينما غيره أو بعض من شعراء مدرسة الإحياء كان يخلط في نظمه بين الدّيني وغير الدّيني.
إنّ أبا مسلم شاعر ملتزم، بمعنى إنّه كان ملتصقا بالبيئة التي كان قد درج فيها، أو شدّته إليها أواصر القربى والانتماء وطبيعة المسير ووحدة المصير. فكانت لغته وصوره وأخيلته مستمدّة ومستوحاة من هذه البيئة.
(1) 164) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 493.