الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 2
الجزء ٢ · صفحة ٦أما بالنسبة لتحديد مقومات هذه الأنساق فهي لا تخرج عن كونها سياسية في المقام الأول ، وقد أفرزها الواقع العماني بكل ما طرأ عليه من تبدل ، يتضح هذا إذا ما عرفنا أن أبا مسلم عاش في أواخر القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين ، أي أنه عاش في مجتمع يعج بأشكال الصراعات السياسية والاجتماعية والفكرية ، وكان التكوين الاجتماعي والسياسي والثقافي فيه يعاني من مشاكل خطيرة بعضها يتصل بتوتر الواقع المحلي وانفصاله بين نظامين سياسيين ( إمامة – سلطنة ) وبعضها يتصل بتوتر العلاقة مع الآخر ( المستعمر ) ، لكن الواقع الثقافي لم يكن قادرا على استبطان مثل هذه المعوقات التي تذكيها معوقات أكثر شراسة من مثل أصناف التخلف المهيمنة على المجتمع ، جراء استشراء السلطات (1) المنتشرة بلا حدود ( سلطة الحكم– سلطة القبيلة – سلطة العادات الرثة والتقاليد المقيتة .....) .
لقد لعبت هذه التأثيرات جميعا دورا في تشكيل نسق المرجعيات في شخصية أبي مسلم الثقافية ، والتي وجدنا أولى مظاهرها في المرجعية العقدية الإباضية بحكم أنها من أكثر المرجعيات اتصالا بالفكر السياسي، ومن ثم بلورة شخصيته الفكرية وفق سلسلة من الشخصيات تؤدي كل منها دور الآخر وتبرز شخصيته وكأنها جملة من الشخصيات المركبة والمتولدة عنها : شخصية الفقيه الزاهد ، وشخصية الثائر المستنهض ، وشخصية المثقف المستنير.ولعلنا نلمح ذلك في عدد غير قليل من قصائده التي تتناول كبرى القضايا الفقهية والسياسية بنظرة المفكر المستنير ، ووفق فكرة الأنساق الجوهرية التي تبرز تجلياتها في المرجعيات التالية :
(1) - نعني بالسلطات هنا المعنى المطلق الذي لا يحصرها في شكل النظام السياسي فقط ، وإنما يطلقها على كل شكل يفرض هيمنته بواسطة مجموعة من القوانين والمعايير التي تمثل ضوابط لسلوك الإنسان وطرق تفكيره ، وبالتالي تشدد الرقابة على النشاط اللاواعي لديه فضلا عن نشاط الوعي العادي " .