الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 2
الجزء ٢ · صفحة ٢٣ولأن هذه القصائد في حقيقة أمرها أدعية تصعد من أعماق قلب الشاعر ، فقد اتسمت في الغالب الأعم بالتكرار اللفظي ؛ لأنها ترجمة عفوية لحاجات الشاعر النفسية ، يطلب من الله أن يستجيب لها – على النحو الذي أوضحناه ، لذا جاءت محاورها على كثرتها متشابهة وعناصرها متماثلة ، فلا نكاد نجد فرقا بينها من ناحية الأفكار والأنساق التعبيرية ، وليس المهم أن تتسم بالتكرار ما دامت استجابة صادقة لأحاسيس الشاعر ، وأدعية خالصة لهمومه ، ولئن لوحظ تشابه موضوعاتها بما عرف في الشعر الصوفي من اهتمام بالسلوك والأخلاق والحب الإلهي ، والتأمل ، فإن الشاعر المبتهل عرض محاورها مرتبة ترتيبا يبدأ من الخصوصية لينتقل إلى العمومية ( بمعنى أنه عرض محاورها بطريقة منهجية تنطلق من الهموم والإنشغالات الخاصة لتصل إلى القضايا والمواقف العامة أي قضايا الأمة والوطن ، وهذه الرؤية في حّد ذاتها تكسب قصيدة الابتهال خصوصية وتعطيها تفرّدا محببا لنفس القارئ .
ونسق التكرار في خطاب أبي مسلم الشعري يسير على هذه الوتيرة في الأغلب الأعم ، فهو لا يخرج في تكوّينه عن الأنماط التالية :
1- نسق التكرار في خطاب التنزيه :
يعّد هذا النسق من الموضوعات المتكررة في الخطاب الديني عموما ، وفي قصيدة الابتهال خصوصا ، وهذا أمر طبيعي ؛ لأن قصائد الابتهال عبارة عن أدعية تعكس شدة خشوع الشاعر ، وإذعانه لعظمة الله ، ويمكن تقديم ذلك من خلال قصيدة أبي مسلم " المعراج الأسنى " التي يقول فيها : ( الخفيف )
هو أنت الله الذي كنت والأزا ل كانت بكن وبعد كفيل
هو أنت الله المكون للكيـ ف وللكم والمتى والمحل
هو أنت الله الإله القديم الـ أحد الفرد الباطن المتجلي
هو أنت الله الرفيع الجمال الصـ مد الدائم بجلال الأجل
هو أنت الله الذي لم يلد كّلا ولم يولد وينسب لأصل
هو أنت الله المقدس عن كف ء وضد وعن شريك ومثل