ندوة الخطاب الديني في شعر أبي مسلم البهلاني الرواحي مجهول

الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 2

الجزء ٢ · صفحة ٢٦

ونتيجة لذلك بلغت هذه القصائد حدا من الشهرة والذيوع في المجتمع العماني ما جعلها محفوظة لدى القضاة والفقهاء ،حيث تستخدم في استتابة المذنبين والعصاة ، و بذلك تحققت لها المكانة الاجتماعية التي تضاهي مكانتها الأدبية المتميزة .

أمّا نسق التكرار في هذه القصائد فيأتي متداخلا مع الابتهال ، ليشكّل في النهاية ضربا من ضروب مناجاة النفس في خلوتها ، لذا يكثر في شعر أبي مسلم البهلاني ، وقد يصل أحيانا في بعض القصائد إلى اثني عشر موضعا ، تطول فيها الأبيات لتصل إلى التسعين بيتا مما يجعل من نسق التكرار ظاهرة لا يمكن فصلها عن حالة الشاعر المتوحدة بالذات الالهية والمستشرفة آفاق التوبة. وأهم النماذج التي يرد فيها هذا النمط قوله : ( الرجز )

تبت إليك توب من لا يرجع عن كل ما يسخط ربي مقلع

ولست لإلا في رضاك أنزع إذ ليس لي إلا رضاك ينفع

والويل إن لم ترض ويل مستمر

تبت إليك من ذنوب السر تبت إليك من ذنوب الجهر

ومن ذنوب قاصمات العمر ومن ذنوب موجبات الفقر

ومن ذنوب غيها مس سقر

تبت إليك من خواطر اللمم وكل محظور جرى به القلم

وكل ما عدت له بعد ندم وما انتهكت فيك من أي الحرم

ومن صغير وكبير مستطر(1)

فالشاعر يفتتح توبته بتخميس يبدأ فيه نسق التكرار بالفعل الماضي ( تبت ) معلنا عودته إلى الله (2)، ثم يعدد الذنوب التي تاب عنها ، فيذكر منها ذنوب السرّ ، وذنوب الجهر ، وخواطر اللمم ،وهذا الاستقصاء في حد ذاته يعطي دلالة التأكيد على مغزى نسق التكرار المتضمن معاني الصدق والإحساس بالندم من كل ذنب ارتكبه .

وفي موضع آخر يتوسع أبو مسلم في هذا الاستقصاء فيقول :

( الرجز ) استغفر الله لذنبي مطلقا فعلا وتركا نية ومنطقا

استغفر الله لذنب سبقا نسيته وأنت لا تنساه

(1) - قصيدة " مقدس النفوس " ديوان أبي مسلم ، ص 173 .

(2) - المحروقي ، محمد بن ناصر الشعر العماني الحديث : أبو مسلم البهلاني رائدا ، المرجع السابق ، ص 87 .

٥٨ / ١٧١