الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 2
الجزء ٢ · صفحة ٣٦( طبيبي – مطلوبي – طبي – طيبتي – طيبة ) ، وبين عبارات يكسوها التوله والنبرة الدفينة التي تختمر بما يختمر به أهل العشق عادة من الشكوى والظمأ والالحاح في طلب المحبوب ( عليل – ظمئت ) . ومن جانب آخر يظهر تولهه وعشقه في شئ من الخضوع والاستكانة والتوله على نحو ما نقرأ في قوله:
( البسيط )
نور الوجود تداركني فقد عميت بصيرتي في ظلام العين والأثر
غوث الوجود اغثني ضاق مصطبري سر الوجود استلمني من يد الخطر
أنس الوجود قد استوحشت من زللي وأنت أنسي في وردي وفي صدري
وجهت نحو رسول الله نازلتي وقلت يا نفس حم النصر فانتظري (1).
يتضح في هذا البيت وسائر أبيات القصيدة شدة شغف الشاعر بحب الرسول (ص ) ، والسعي إليه بصفته مخلّصا وشفيعا ، فقد تقضى شبابه بين لهو وغفلة ، كما امتلأت كفة ميزانه بالسيئات ، وبقي رغم ذلك رجاؤه وحيدا بالله ورسوله . ومن اللافت للنظر أن الشاعر يستثمر المناسبات الدينية لإظهار نسق المديح ؛ فالمولد النبوي والإسراء والمعراج و عيدي الفطر والأضحى مناسبات لاعادة النظر في قضايا الذات والحياة ، ولهذا لا عجب أن تستأثر بعدد كبير من قصائده ، ،فالشاعر يسوق في قصيدته الطويلة هذه الصفات التي يتحلى بها الرسول مكررا الخطاب المباشر بالضمير الغائب " أنت " للدلالة على قوة الرباط الذي يعمر قلبه حبا ووجدا بشخص الرسول (ص ) . وهذا في حد ذاته ملمح إيجابي تتسم به أغلب المدائح الدينية في كل مناسبة إسلامية .
وعلى كل حال لم يكن أبو مسلم وحيد عصره في هذا الضرب من الشعر، فكثير من الشعراء القضاة والفقهاء ممن ينتمون إلى الجيل الأول أكثروا من هذا الصنف يحدوهم في ذلك صدق العواطف الدينية التي تحلوا بها ، ونبل الأهداف التي سعوا إليها ، ولعل مقدمات قصائدهم تفصح عن ذلك.
(1) - قصيدة في مدح الرسول ، ديوان لأبي مسلم ، ص 259 .