الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 2
الجزء ٢ · صفحة ٥٧…إن في انتاج ابي مسلم البهلاني متمثلا في اذكاره التي صاغها في قوالب الشعر ، مايدل من قريب على تضلعه في علوم الشريعة والحقيقة ، وامتداد نفسه في التصوف ، والمامه العميق بعلم الكلام ومشكلاته ، وتمثله للتراث الصوفي شعره ونثره ، ووقوفه على مايدور بين الصوفية من علوم واسرار ومصطلح ومواجيد واذواق . وليس ادل على ذلك مما وقع في شعره من تناص مع التراث الصوفي لاسيما شعر ابن الفارض . غير أن البهلاني آثر لغة التصوف السني على لغة التصوف الفلسفي ، لانه اكثر ملاءمة للمريدين اذ كان اغلبهم من العامة . ولم يحل هذا الإيثار بينه وبين ان ترد في شعره نصوص احتذى فيها الاساليب الرمزية المتداوله بين الصوفية في خطابهم الشعري. وهذه النصوص هي المجال الذي يكشف عن التناص في شعره. ومن ابلغ الدلالات في تمثله للتراث الصوفي ، العناوين التي اختارها لاذكاره ومنها ( النفس الرحماني ) اذ يدل هذا العنوان على انه قرأ ابن عربي ووقف على هذا المصطلح الصوفي عنده ، وباشر مغزاه الروحي.
… وقد ذكر الجرجاني في التعريفات أن النفس الرحماني" هو الوجود العام المنبسط على الأعيان عينا، وعن الهيولي الحاملة لصور الموجودات ، والأول مرتب على الثاني، سمًي به تشبيها لنفس الانسان المختلف بصور الحروف مع كونه هواءا ساذجا في نفسه ،وعبر عنه بالطبيعة عند الحكماء.وسميت الأعيان كلمات ، تشبيها بالكلمات اللفظية الواقعة على النفس الانساني بحكم المخارج"(1).
…ومدار هذا التعريف على مزيج من الفلسفة والتصوف اتخذ التشبيه والمجاز وسيلة للتعبير ولايبعد هذا التعريف عما أورده ابن عربي في "فصوص الحكم" مع فضل اتساع وتفنن أعانه عليهما لغته المرموزة وتجاربه الروحية الخصبة واستبطاناته العجيبة.وأغلب الظن أن أبا مسلم كان على علم ودراية وتجربة وفهم لهذا المصطلح الصوفي ، والا فلم اختار النفس الرحماني ليكون عنوانا لمجموع أذكاره؟.