الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 2
الجزء ٢ · صفحة ٥٩أما تناص الخطاب الشعري عند أبي مسلم مع واقعة التجلي الموسوي في الوادي المقدس ، فمما يمثل ميراثا عر فانيا لديه ولدى ابن الفارض ولدى الشعراء الصوفية . فقول أبي مسلم في البيتين اللذين جعلهما تمهيدا من الديوان الموسوم بالنفس الرحماني:
هذه النار وذا الوادي المقدس……فاخلع النعلين والذلة فالبس
واجد أنت هوى أو قبسا………لا تجاوز ان هنا الليل عسعس
يثيران في الذاكرة قول ابن الفارض:
آنست في الحي نارا………ليلا فبشرت أهلي
قلت امكثوا فلعلي………أجد هداي لعلي
دنوت منها فكانت………نار المكلم قبلي
ناديت منها كفاحا………ردوا ليلي وصلي
أما أبيات البهلاني التي أشربت دلالة الرمز المشتق من الخمريات فانها تعبر عن وجدان معرفي يصل الصوفي بحقائق عميقة في شكل ومضات والهامات تكشف عما يشبه أن يكون تعطيلا للارادة الشخصية بحيث يشعر الصوفي بقوة خارجية عليا تقهره وتغمره وتطغى عليه.
ويعبر الرمز الخمري عند البهلاني وعند غيره من الصوفية في الخطاب الشعري عن حالة الوجد، وهي من أكثر الأحوال الصوفية امتلاءا بالتوتر والحركة والشعور الغامر بالنشوة والانفراج العاطفي.
وقد دارت عند أبي مسلم كما دارت عند غيره دلالات مأخوذة من تراث الشعر الخمري ، كالصرافة ، والمزج ، والشعشعانية ، والتعتيق ، والشفافية ، ومجالس المنادمة على الشراب ، وما يدور فيها من سماع وطرب ، غير أن هذه الدلالات التي تكون معجم الشعر الخمري ، طرأ عليها عدول حاد بها عن مستواها الأول الى مستوى ثان أعمق يؤسس رمزية هذه الأساليب في الشعر الصوفي.وفي عرفانيات التصوف الاسلامي تحليل نفسي مستفيض لظاهرة السكر الصوفي يدور على الجمال، والحيرة في الشهود، والدهشة.هذا الوجد المعبر عنه رمزيا في الخطاب الصوفي بالخمر والسكر يئول الى شعور باطن بغبطة وفرح عميقين ، تفضيان الى وضع تهتز فيه النفس وتنشط قواها نشاطا غير مألوف ، بحيث يتعذر عليها أن تكبت ما تجيش به من حركة متوترة.