الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 2
الجزء ٢ · صفحة ٦٢وقد اتسع هذا العالم اللغوي في عرفانيات التصوف الاسلامي بحيث أفضى الى اعتقاد أن لكل عالم من عوالم الحروف رسولا من جنسهم ، وشريعة تعبدوا بها ، وأن فيهم عامة وخاصة وازداد هذا العالم العجائبي اتساعا حتى أفضى بهم الى تصور الحروف على نحو ما تصوروا مملكة العالم الباطن فذهبوا الى أن في عالم الحروف قطبا وامامين وأربعة أوتاد وسبعة أبدال.
لذلك لم يكن غريبا أن تشرب حروف الأبجدية العربية رموزا واشارات .فالألف رمز الذات الالهية في نزاهتها وعلوها وأزليتها وأبديتها، والهاء للهوية ، والحاء للحواميم ، والباء رمز الاستخلاف ونيابة الانسان ، واشارة الى القيومية التي تعينت بها الأشياء ، وقديما تحدث الشبلي عن نفسه فقال :"أنا النقطة التي تحت الباء" اذ بها ظهور الوجود، وتميز العابد من المعبود، وبعد هذه العبارة المأثورة التي ترددت أصداؤها العرفانية في القرن الرابع الهجري ، تحدث أبو مدين التلمساني في القرن السادس الهجري ، عن هذا الحرف فقال:"ما رأيت شيئا الا ورأيت الباء عليه مكتوبة".وعلى هذا النمط الصوفي العرفاني وصل الينا مذهب أبي مسلم البهلاني في الحروف وفي ارتباطاتها بمذهبه في الأسماء والصفات الالهية مما من شأنه أن يضفي قداسة على هذه اللغة العربية التي بها نزل القرآن الكريم.
وهذه أبيات له تحرى في مطلع كل بيت منها أن يبدأ بحرف الباء ، ومن ذلك قوله من الوافر:
باسمك سيدي تجلى الكروب……وذكرك تطمئن به القلوب
بحمدك سبحت نفسي وروحي……وقلبي فيك منكسر قطيب
بثثت اليك أحزاني وكربي………وحالي عنك ربي لاتغيب
برحمتك استغثت ولي يقين………بأن من استغاثك لايقين……
بلطفك سيدي فرجُ وبشرى……وان عقدت شدائدها الخطوب
بقدرتك استجرت من الأعادي ……فأنت القاهر الحكم الحسيب
بنور محمد نوًر يقيني ………وصلَ عليه ما نارت قلوب