توثيق القرآن الكريم حفظًا في الصدور ورسما في السطور بكير بن محمد الشيخ بالحاج
الجزء ١ · صفحة ٥ـ غير أنَّ الخوف هذه المرَّة لم يكن على ضياع القرآن ولكن على الخوف على المسلمين أن يتشتَّت شملهم وتتفرَّق كلمتهم بسبب الخلاف في قراءة القرآن والفتنة أشدُّ من القتل وأكبر (13).
لقد سمع حذيفة بن اليمان رضي الله عنه بعضًا ممَّن حضر مغازي المسلمين في بلاد "أرمينية" و"آذَرْبَيْجان" يقول للآخر: "قراءتي أصحُّ من قراءتك"، فأفزعه ذلك، وبلَّغ الأمر خليفة المسلمين عثمان، وقال له: "أدرك هذه الأمَّة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى". لم يتردَّد عثمان في جمع القرآن الكريم مرَّة أخرى، فبعث إلى حفصة ـ أمِّ المؤمنين ـ أن أرسلي إلينا بالصحُف ننسخها ثمَّ نردُّها إليك، فأرسلتها إليه، وكلَّف بالنسخ من كتبها أوَّل مرَّة ـ زيد بن ثابت الأنصاري ـ وأمدَّه بثلاثة كتَّابٍ قُرشيِّين؛ عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقال لهم: "إن اختلفتم أنتم وزيدٌ في شيءٍ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنَّه إنَّما نزل بلسانهم". أتمُّوا الكتاب الأوَّل المعروف بـ "المصحف الإمام"، ثمَّ استنسخوا منه مصاحف روعي في كلٍّ منها أن يوافق رسمه قراءة الصحابي الذي وُجِّه معه ذلك المصحف إلى أحد الأمصار. كما جُرِّدت جميعها من النقط والشكل ليحتملها ما صحَّ نقله وثبتت تلاوته عن النبيء صلى الله عليه وسلم.
هذا شأن المصحف في صدر الإسلام ـ عصر الصحابة والتابعين ـ وقد كثر الحفَّاظ والقرَّاء من بعدهم وتلاحقت طبقاتهم ـ على تفاوت بينهم ـ وقيَّض الله لكتابه علماء جهابذة ضبطوا الحروف والقراءات، وأصَّلوا قواعد تلاوة القرآن ورسمه وفصَّلوا، وألَّفوا في مختلف علومه وصنَّفوا، نصيحةً لله ولكتابه ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (14) وصدق وعد الله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (15).
في ختام هذا البحث لا يفوتني أن أشير إلى أنَّ جوانب منه جديرة بمزيد من الكلام فيها، لكن لا يتَّسع لها هذا البحث، من ذلك تحقيق ما ينسب إلى عثمان من أنَّه حمل الناس على القراءة بحرف واحدٍ من الأحرف السبعة أو تفنيده، وما طبيعة المصاحف التي حرَّقها أو أمر بتحريقها .. ؟ وما عدد المصاحف العثمانية .. ؟ وما مآلها .. ؟ إلى غير ذلك …
هذا ما سيتناوله البحث المقبل إن شاء الله، نسأله تعالى أن يمدَّ في أعمارنا ويبارك في أعمالنا ويتقبَّلها منَّا بقبول حسن. آمين.
فرغت من تبييض هذا البحث صبيحة يوم السبت 12شعبان 1423هـ / 19 أكتوبر 2002م.