الحجج المقنعة لنور الدين السالمي بتحقيق بورلرواح
الجزء ١ · صفحة ١٧٨والجواب عن الاستدلال بهذه الأحاديث هو أنَّ المراد بها أنَّ الغسل كالواجب في تأكيد الندبيَّة، أو كالواجب في الاختيار وكرم الأخلاق والنظافة، أو في الكَيفِيَّة لا في الحكم، وحاصل الجواب أَنَّهُ استعير لفظ «الواجب» ولفظ «على» فاستعملا في غير محلِّهما، وهو التأكيد في الندبيَّة بقرينة الأحاديث الْمتَقَدِّم ذكرها. وقيل: إنَّ ما دَلَّ على الوجوب من هذه الأحاديث منسوخ بما مَرَّ من الأحاديث(1) . واعترض بأنَّ النسخ لا يصار إليه إلاَّ بدليل، ومجموع الأحاديث يَدُلُّ على استمرار الحكم، فإنَّ في حديث عائشة(2) أنَّ ذلك في أَوَّل الحال حيث كانوا مجهودين، وأبو هريرة وابن عَبَّاس إِنَّمَا صحبا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بعد أن حصل التوسُّع بالنسبة إلى ما كانوا فيه أَوَّلاً، ومع ذلك فقد سمع كلٌّ منهما منه عليه الصلاة والسلام الأمر بالغسل والحثَّ عليه والترغيب فيه، فكيف يدَّعى النسخ مع ذلك؟(3) .
وأقول: إنَّ الأحاديث الدَّالَّة على أنَّ الغسل يوم الجمعة فضيلة، لا حكم واجب يكفي أن تكون دليلا لنسخ الوجوب، واستمرار الأمر بالغسل يوم الجمعة لا ينافي ذلك، فإِنَّهُ ليس المدَّعَى نسخ الأمر مطلقا، وإِنَّمَا المدَّعَى نسخ وجوبه، فاستمرار الأمر به بعد ذلك إِنَّمَا هو حثٌّ على فعل الفضيلة. وبالجملة فَكُلُّ واحد من الوجوب والندبيَّة حكم برأسه، ولا يلزم من نسخ أحدهما نسخ الآخر، وبهذا يظهر لك أنَّ القول بنسخ الأحاديث الدَّالَّة على وجوب الغسل أولى من تكلُّف تأويلها، والله أعلم.
وصفة الغسل المشروع يوم الجمعة هو كالغسل المشروع من الجنابة، لقوله - صلى الله عليه وسلم - «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثُمَّ راح…»الحديث(4) .
(1) - … ابن حجر: فتح الباري، 02/363.
(2) - الحديث تقدم في أول الكلام عن الغسل للجمعة.
(3) - … ابن حجر: نفسه.
(4) - سيأتي تخريجه قريبا.