الحجج المقنعة لنور الدين السالمي بتحقيق بورلرواح
الجزء ١ · صفحة ٨٤وَاستَدَلَّ الحَنَفِيَّة(1) على أنَّ جُوَاثَى مدينة بقول امرئ القيس(2) :
ورحنا كأنَّا من جُوَاثَى عشية … نعالي النِعاج بين عدل … ومحقب
يريد: كأنَّا من تجَّار جُوَاثَى لكثرة ما معهم من الصيد، وأراد كثرة تجَّار جُوَاثَى، وكثرة الأمتعة تَدُلُّ غالبا عَلَى كثرة التجَّار، وكثرة التجَّار تَدُلُّ عَلَى أنَّ جُوَاثَى مدينة قطعا، لأنَّ القرية لا يكون فيها تجَّار.
وحكم المدينة في إقامة الجمعات والحدود وإنفاذ الأحكام حكم المصر لِمَا تَقَدَّمَ من الأحاديث، وفي بعضها أَنَّهُ «لا جُمُعَةَ ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلاَّ في مصر جامع أو مدينة عظيمة»، وذلك لأنَّ المدينة في معنى المصر لاشتمالها عَلَى ما يشتمل عَلَيه المصر من كثرة الأبنية واجتماع الناس، ولأَنَّهَا تغني أهلها غالبا عن الاحتياج إلى غيرها في قضاء حوائجهم، فهي مصر في المعنى وإن خصَّت باسم آخر. ولو قيل بِأَنَّ المدينة هي المصر المُتَّصِلة أبنيته، وإنَّ المصر يطلق عَلَى هذا المعنى وعَلَى ما إذا انفصلت الأبنية وكانت قرى كثيرة لكان ذلك حسنًا، وعَلَى هذا فيكون بين المدينة والمصر عموم وخصوص مطلق، لأنَّ كلَّ مدينة مصر وليس كلُّ مصر مدينة. ولك أن تقسم المدينة إلى نوعين، أحدهما: مدينة عظيمة وهي التي تكون نوعا من المصر ويعطي لها حكمه، ومدينة صغيرة وهي ما ليس كذلك، وعَلَى هذا فيكون بين المدينة والمصر عموم وخصوص من وجه؛ وفي وصف الحديث المدينة بالعظم إشارة إلى هذا المعنى. وعَلَى كُلِّ حال فتعلُّق الشافعي وأحمد بالحديث ساقط، والحديث دليل عليهما، لا لهما، كما قَدَّمناه لك آنفا، والله أعلم.