الحجج المقنعة في صلاة الجمعة
الجزء ١ · صفحة ١٤…ودليله على ذلك حديث أبي هريرة: (الجمعة على من آواه الليل إلى أهله). وأنت خبير أنه لا جمعة على المسافر لاستثنائه ممن تجب عليه، بما سيأتي من الأدلة على ذلك، فيجب أن يُحمل كلام الإمام هاهنا على من في المصر الذي تقام فيه الجمعة، ولم يكن بين أهله وبين مقام الجمعة فاصل من الأمكنة الخربة، وإنما كانت العمارات متصلة بينهم، فإنه يجب عليه في مثل هذه الحالة أن يأتي الجمعة، وإن بعدت من أهله قدر فرسخين أو ثلاثة فراسخ إذا كان يؤويه الليل إلى أهله، لأنه في هذه الصورة لم يكن مسافراً، فيتوجه إليه الخطاب بحضور الجمعة، فإن كان ممن لا يؤويه الليل إلى أهله، فلا يجب حضورها لحصول المشقة، والمشقة تجلب التيسير، وعلى هذا التقرير فإن أمكن أحداً من الناس، ممن اتصلت منازلهم بمحل الجمعة أن يحضر الجمعة من مسافة شهر مثلاُ، وأمكنه أن يصلي الفجر في أهله، وأن يؤويه الليل إلى أهله بركوب السفينة الجارية على البر، ولم تحصل له عند ذلك مشقة فعليه الجمعة، وإن كانت العمارات منقطعة، والبلدان منفصلاً بعضها من بعض، فلا يجب حضور الجمعة إلا على من كان أهله دون الفرسخين، لأنه إذا كان أبعد من ذلك، - أي – دون الفرسخين يكون في محل الجمعة مسافراً ولا جمعة على المسافر، لما سيأتي، فلا يجب عليه حضورها.
…قيل: وكذلك من كان في المصر المتصل عمرانه فلا يجب عليه حضور الجمعة من أبعد من فرسخين أيضاً.
…قال أبو سعيد: وهذا القول هو عندي أكثر قولهم، وقال أيضاً: وأحسب أنهم ذهبوا في ذلك إلى معنى سقوطها عن المسافر، في معنى الاتفاق، والمسافر معهم من جاوز الفرسخين من وطنه، فإذا ثبت أنه لا جمعة على المسافر لموضع بعد السفر عليه، فمثله لو كان في المصر، وكان بينه وبين موضع صلاة الجمعة فرسخان في البعد من موضع الجمعة، لم تلزمه الجمعة، انتهى.