الحجج المقنعة في صلاة الجمعة
الجزء ١ · صفحة ١٧…وشأن فرض العين هو أن يهلك تاركه بمرة واحدة إذا لم يكن في تركه عذر، وبذلك يُبرأ منه إذا لم يتب، ولا يجزيه إن فعل غيره وإن ظن فواته، وإنما يلزمه نفس ذلك الفرض إذا أدركه.
…ويجاب عن هذا الإشكال – بأن ما ذُكر كله إنما هو خاص بصلاة الجمعة دون غيرها، لطفا منه تعالى ومناً، لما قد يحصل بالسعي إليها من المشقة بسبب بعد المسافة، أما تخصيصها بعد هلاك تاركها فيما دون ثلاث مرارٍ، فلما تقدم آنفاً من أحاديث الطبع على قلب من تركها ثلاثاً، وقول ابن عباس: من تركها أربعاً، لا ينافيه، لأن المراد منه أن يكون تاركها بعد الثلاث مطبوعاً على قلبه، ويكون في الرابعة نابذا للإسلام وراء ظهره. وأما تخصيصها بالاجتزاء عنها بصلاة الظهر في بيت من تلزمه، فلما في حديث: (لقد هممتُ أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن صلاة الجمعة في بيوتهم)، حيث أنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر المتخلفين بإعادة صلاتهم، ولو كانت صلاتهم في بيوتهم غير مجزية في إسقاط الواجب عنهم، لأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإعادتها، ولو أمرهم بذلك لنقل كما نقل الحديث المذكور، ولاشتهر أيضاً، لأنه مما تعم به البلوى على أن المختار عندنا – إن صلاته في بيته لا تجزيه عن الجمعة إذا أدركها، لأن المتعين عليه حينئذ الجمعة، وصلاته في بيته بلا عذر لا تسقط عنه المتعين عليه من فرض الجمعة، وتخصيصه في الجمعة بما ذكر لا يجزي عندنا، لأنه استدلال بالمسكوت عنه، فيحتمل سكوته صلى الله عليه وسلم عن ذلك معاني لا توجب تخصيص الجمعة بذلك الحكم، فيحتمل أنه عليه الصلاة والسلام سكت عن أمرهم بذلك، حيث أن التاركين لذلك لم يكونوا أناساً معروفين بأعينهم حتى يقصدهم بذلك، ويحتمل غير ذلك أيضاً، ويحتمل أنه أمرهم بالإعادة فلم ينقل إلينا، إذ ليس كلما وقع في زمانه صلى الله عليه وسلم منقولا إلينا، ويحتمل أنه نقل فلم يشتهر، ومع بعض هذا لا يكون حجة على ما ذُكر، فكيف