الحجج المقنعة في صلاة الجمعة
الجزء ١ · صفحة ٢٢ففي هذا كله ما يدل على أنه لا جمعة على المسافر، وفيما حكاه صاحب الأشراف عن أنس وعبد الرحمن – دليل على ما قاله أصحابنا أن المسافر وإن طالت مدة المقام في بلد، فحكمه فيها أنه مسافر ما لم ينو الوطن، فإذا حضر من لا جمعة عليه من النساء والعبيد، والمسافرين، والمرضى الجمعة فصلوها ركعتين مع الإمام كان ذلك مجزيا عنهم ومسقطا لفرضهم، قال ابن بركة: بإجماع الأمة، وقد حكى صاحب الأشراف الإجماع على ذلك أيضاً، وقال ابن بركة في موضع آخر: وقال أصحابنا ليس على المسافر والعبد والمرأة جمعة والإجماع على ذلك، وإذا حضروها وصلوها مع الإمام، سقط عنهم الفرض، قال: وفي نفسي من ذلك شيء، لأنهم أتوا بما لم يؤمروا به، وتركوا الفرض الذي أمروا به، فأرى الفرض باقياً عليهم، والله أعلم.
قال: ولا حظ للنظر مع الاتفاق والنص، وتابعه على هذا النظر صاحب الإيضاح رحمه الله تعالى، فقال مثل مقالته في ذلك، لكن عكَّر عليه المشي بما حاصله: إن لقول أصحابنا في هذه المسألة نظيراً وهو المسافر، فإن الفرض الواجب عليه ركعتان، مع أنه إذا صلى مع الإمام المقيم صحت صلاته، وأدى الفرض الواجب عليه، وحاصله أن الحكم هنا تغير بعذر، وهو تحصيل فضيلة الجماعة، مع قيام السبب للحكم الأصلي فهو رخصة، والرخص خارجة عن القياس، فلا يعترض عليها، فكان المسافر مأمور بركعتين إلا خلف الإمام، وكذا العبد والمرأة والمريض مأمورون بأربع إلا خلف الإمام، فحينئذ لا يرد نظر المؤلف رحمه الله.
وقد قال فيما يأتي في باب القضاء: إن صلى مسافر مع مقيم، ثم تبين له فساد صلاته بعد خروج الوقت، فإنه يقضيها صلاة الإمام كما وجبت عليه، إلى آخره، حرره، انتهى.