الحجج المقنعة في صلاة الجمعة
الجزء ١ · صفحة ٢٤وبقي هنا إشكال وهو – أن يقال: أن ابن بركة حكى على ذلك إجماع الأمة، والإجماع أحد أدلة الشرع، فكيف له أن يخالف الإجماع إلى ما وقع في نفسه، ويُجاب عن هذا الإشكال – بأن الإجماع الذي هو أحد أدلة الشرع، وبه يُقطع عذر من خالفه، إنما هو الإجماع القطعي، وهو أن يفتي أو يعمل جميع علماء الملة بشيء، ويتبعهم على ذلك باقي الأمة، فأما إذا أفتى أو عمل بعضهم، وسكت الباقون، فلا يكون هذا إجماعاً يُقطع به عذر من خالفه، وكان الإجماع الذي نقله ابن بركة – إنما هو الإجماع السكوتي، لا الإجماع القطعي، بدليل عبارته عنه في الموضع الثاني – بالاتفاق. على أن ابن بركة سلَّم الأمر لما نقله من الاتفاق ورجع إليه، وكذا صاحب الإيضاح أيضاً، بدليل قول كل واحد منهما – ولا حظ للنظر مع الاتفاق، فيكون ما أشار إليه كل واحد منهما إنما هو – إظهار أن المقام مقام اجتهاد وتجويزٍ للقول بالرأي في ذلك، والله أعلم.
ثم إنهم اختلفوا بعد اتفاقهم على ما مر من أنه لا جمعة على مسافر ولا عبد ولا صبي، في أنه هل تصح إمامة العبد والمسافر في الجمعة؟ فأجازها قوم ومنعها آخرون، والمنع أصح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُنقل عنه أنه صلى بهم الجمعة في شيء من أسفاره، ونقل عنه أنه صلى الظهر يوم الجمعة في عرفة قصراً، ولم ينقل عنه أنه جهر بالقراءة فيها، ونقل أيضاً عنه صلى الله عليه وسلم أنه أقام زمن الفتح ثماني عشرة ليلة يصلي بالناس ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم يقول: (يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين أخريين، فإنا قوم سفر).