الحجج المقنعة في صلاة الجمعة
الجزء ١ · صفحة ٢٧وأما ابن بركة فبنى مذهبه على الحديث المتقدم ذكره، وهو أن الجمعة واجبة على كل محتلم سمع النداء.
ورُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا كنتم مسافرين فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي).
يعني بقوله: (إذا كنتم مسافرين) – عازمين على السفر، ورُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يرخص في السفر يوم الجمعة، لا سيما لأمر مهم، كالجهاد، أي - قبل سماع النداء، بدليل ما في الحديث الأول.
وسمع عمر مرة رجلاً يقول: لولا الجمعة لسافرت اليوم، فقال له: اخرج لسفرك، فإن الجمعة لا تحبس عن سفر.
فما ذهب إليه الإمام الكدمي رضي الله عنه إنما هو من باب تخصيص النص بالقياس، وذلك أن هذه الأحاديث الدالة على جواز السفر يوم الجمعة عامة، وقد ثبت بدليل آخر وجوب حضور الجمعة على من لم يكن مسافراً من الرجال، فالقياس يقتضي وجوب حضور من لم يكن مسافراً والله أعلم.
واعلم أنه كما أن لصلاة الجمعة موجبات توجبها، كذلك لها موانع ترفع وجوبها، ويبقى المعذور بعد حصول ما يرفع الوجوب في حكم من مر ذكره من النساء والعبيد والمسافرين والمرضى، فيجوز لهم أن يحضروا الجمعة فيصلوها مع الإمام، كما جاز ذلك لأولئك، ولهم أن لا يحضروا الجمعة فيصلوا أربعا في بيوتهم لحصول العذر الرافع لوجوب الجمعة عنهم، وتلك الموانع المشار إليها هي: إما أن تكون في النفس، كخوف القتل أو خوف ضرر بالجسم من نحو وقوع مطر أو برد شديد أو حرٍّ كذلك، أو طلب ما يقوِّم به بُنيته من القوت، وأما أن تكون في المال وذلك نحو أن يُخاف بمسيره إلى الجمعة ذهاب ماله أو ذهاب شيء منه أو إضاعته أو إضاعة شيء منه، وأما أن تكون في الغير كطلب قوت لعياله وكخوف إضاعة المريض الذي يلزمه القيام به، أو خوف إضاعة الميت الذي يلزمه تجهيزه، وما أشبه ذلك من الأعذار، والأصل في هذا كله هو ما في حديث عبد الرحمن بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان مطراً وابلاً فليصلِّ أحدكم في رحله).