الحجج المقنعة في صلاة الجمعة
الجزء ١ · صفحة ٣٠وأقول: إن تمصير عُمرٍ للأمصار السبعة، وتعيينه لها أمصاراً، مع اشتمال كل واحدة منها على قُرى كثيرة، كادت القرية الواحدة منها أن تُعد مصراً في العرف، دليل على أن المصر المشترط لوجوب الجمعة وصحتها هو المكان المشتمل على أبنية كثيرة، بها جمع من الخلق، سواء كانت أبنيته متصلاً بعضها ببعض، كمكة شرفها الله تعالى، أو منقسماً قرىً كثيرة، منفصلاً بنيان كل واحد منها عن التي تليها، كالمدينة المشرفة وكعمان – وما سيأتي من الأحاديث يشهد بذلك – والذي ينبغي اعتباره في ضبط المصر، هو أن يكون المكان منحازاً بما فيه من قرى ومدن وغير ذلك، لا يحتاج أهله في قضاء حوائجهم غالباً أن يتعدَّوه إلى غيره من الأماكن، فإذا حصل مكان صفته هذه، فهو مصر، سواء كان متصل العمارات أو منفصلها، لكن المصر المجتمع عليه عند أصحابنا، إنما هو أن يكون أحد الأمصار التي مصرها عمر، وما عدا ذلك فهو مختلف عندهم في إعطائه حكم المصر من إقامة الجمعات، والله أعلم.
ولنا على أن المصر الجامع شرط لوجوب الجمعة ولصحتها أدلة، منها – قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا جمعة إلا في مصر جامع(1) ). رواه أبو سعيد رضي الله عنه في زيارات الأشراف، وزاد بعده قوله: وأحسب في بعض الحديث أنه: (لا جمعة حتى يجتمع لها ثلاثة مصر جامع وإمام ومنبر).
ثم فسر المنبر بالخطبة، فهو من باب تسمية الشيء بمحله، لأن المنبر محل الخطبة، ولك أن تفسره بالجامع، فيكون دليلاً على منع الجمعة في غير المسجد الجامع.
(1) * ولعل معنى (جامع) – أي جامع للعديد من القرى والمدن منحازة في حوزة واحدة، وتحت سلطة واحدة، الناشر.