الحجج المقنعة في صلاة الجمعة
الجزء ١ · صفحة ٤٢، وقصروها على المحل الذي وجدت تقام فيه في زمان الصحابة رضي الله عنهم، وقد تواترت آثارهم وأخبارهم أن المحل الذي عُين لها في عمان هو قصبة صحار، فأوجبوها هنالك، ومنعوها في غيره، لألا تختلف أحكام الإسلام بين المسلمين، ولأن السنة إذا عينت شيئا من الأشياء لشيء من الأحكام، فلا يجوز تبديله عن ذلك التعيين، ولأن الجمعة إنما تقام لإظهار شعائر الإسلام، فوضعها في مجمع الناس، وفي المكان الذي فيه بيضة الإسلام وقوة المسلمين، وإليه مطمح الخصم أنسب وأولى، وبهذا القول أخذ الإمام وارث بن كعب رضي الله عنه، فقد روي عنه أنه كان لا يصلي الجمعة في نزوى، واختاره الشيخ محمد بن روح رحمه الله تعالى، وذهب بعض أصحابنا إلى وجوب إقامة الجمعة في جميع بلدان المصر، وواجب المحافظة عليها في السهل والجبل، قائلاً: إن المصر الواحد قد عيِّن كله لإقامة الجمعة، وإن اختصاص مكان منه بوجوب إقامتها دون مكان مشكل، فتجب إقامتها في جميع المصر، وينبغي أن يكون محل الخلاف فيما إذا كان بين إقامتها أكثر من أربعة فراسخ، لما قدمت لك آنفاً - من أنه يجب إتيانها مما دون الفرسخين، فلو أقيمت في موضعين ليس بينهما قدر فرسخين، لبطل ذلك الإيجاب الذي أوجبوه على من دون الفرسخين أن يأتيها، ولو أقيمت في موضعين بينهما قدر فرسخين، وبعض فرسخ، لتدافعت الأحكام فيمن هو قريب من الإقامتين، فيجب عليه إتيان هذه الجمعة، وإتيان هذه، فيتعلق عليه واجبان، لا يستطيع فعلهما معاً، ولا يمكنه ذلك، والقول بأنه مخير في أيهما شاء أن يذهب إليها، محتاج إلى دليل، لأن التخيير بين فعلين واجبين، وإسقاط أحدهما بفعل الآخر حكم شرعي، لا يدرك إلا بالتوقيف من الشارع، كما في خصال الكفارات. والله أعلم.