الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة (نشر ونشر سعود السالمي، تعليق سالم الحارثي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الحجج المقنعة في صلاة الجمعة

الجزء ١ · صفحة ٤٣

لا يقال أنه لا يلزم من إقامتها في موضعين ليس بينهما قدر جمعين ما ذكر من تدافع الأحكام على مَن هو قريب من الإقامتين، كيف يلزم ذلك؟ وهو إنه إنما يجب عليه أن يُجيب أول الندائين إذا تساوت معه المسافتان، ويجب عليه أن يحضر أقرب الجمعتين إذا تفاوتتا قربا وبعداً، فلا يلزم المحذور من تدافع الأحكام، ولا يحتاج حينئذٍ إلى التخيير المذكور، لأنّا نقول: إن ما ذكرناه من تدافع الأحكام، متوجه على من تساوت معه المسافتان بالنسبة إلى الجمعتين، واتحد معه وقت الندائين، فيحتاج حينئذ إلى التخيير المذكور، ولا ملجأ منه، وهذا التقدير كافٍ في منع إقامتها في موضعين ليس بينهما قدر جمعتين.

ثم إن ما استشكله أرباب القول الثاني من منع تعددها في المصر الواحد، مدفوع بما قدمتُ من الاعتلال للمانعين، وهو إنهم أوقفوا الجمعة حيث أوقفتها السنة، على أنهم قد تناقلوا إقامتها في صحار، آخراٍ عن أول، وكابراً عن كابر، وتداولوا عدم إقامتها في غير صحار كذلك، وأنت خبير أن عمان قد أسلمت في عصره صلى الله عليه وسلم، وأجابت دعوته بغير حربٍ ولا عناء، وأن أحكامه صلى الله عليه وسلم قد نفذت فيها في حياته، بواسطة عامله عليها عمرو بن العاص، وأن عمان منذ ذلك الزمان قرىً كثيرة، ورساتيق عديدة، فلو أقيمت الجمعة في عهده صلى الله عليه وسلم في غير صحار من سائر بلدان عمان ورساتيقها، لنُقل ذلك إلينا، كما نُقلت إقامتها بصحار، على أنك قد عرفت حذاقة أصحابنا في الأمور الشرعية، فلا يبدلون شيئا منها، وعرفت احتياطهم في أمور دينهم، فكيف يتركون الواجب منها؟ وإن قال بعضٌ بوجوبها في غير صحار من عمان، فقوله بذلك إنما نشأ عن قياس واجتهاد، لا عن سُنة وأثر، فظهر أن إقامتها إنما هي واجبة في موضع واحد من المصر، لا في جميع قرى المصر وبلدانه، وإتيان أهل العوالي للجمعة بالمدينة يشهد بذلك.

٤٣ / ٩٧