الحجج المقنعة في صلاة الجمعة
الجزء ١ · صفحة ٤٨والجواب عن الاستدلال الثاني والثالث هو – إن أهل الكوفة وأهل البصرة إنما فعلوا ذلك برأيٍ منهم واجتهاد، فليسوا بحجة على غيرهم، وعدم الإنكار عليهم، إنما هو لكونهم لم يفعلوا منكراً مجتمعاً عليه، سلمنا أن المسألة اجتهادية، فالغرض المطلوب إنما هو إقامة الدليل على جواز ذلك، ولا يكفي دليلاً فعل المجتهد بنفسه، ولا فتواه بذلك، وإن تعدد المفتون في ذلك، بل المجتهد بنفسه محتاج في ذلك إلى إقامة الدليل على صحة قوله وفعله، ويبحث في هذا الجواب بأن في كل واحدة من الكوفة والبصرة يومئذ جمع كثير من الصحابة، ففعلهم وقولهم حجة على غيرهم في ذلك، ويجاب عن هذا البحث بأنه لا نسلم أن فعل الصحابي وقوله حجة على غيره في ذلك، حتى ينزل فعله أو قوله منزلة المجتمع عليه من الأمة، أو يروي لذلك شاهداً من السنة، فالحجة حينئذ إنما هي الإجماع والسنة، لا فعل المجتهد ولا قوله، والجواب عن هذا الاستدلال بعموم الخطاب في فرض الجمعة لجميع المؤمنين هو – إن عموم الخطاب مخصص بقيود من السنة، منها وجود الإمام العادل أو الجائر، وتقدم الدليل على ذلك، وذهب بعض أصحابنا – قال ابن بركة: وهم الأقل - إلى أن الإمام العادل هو الشرط في وجوب الجمعة وصحتها، وأنها لا تجوز خلف الجبابرة لوجوه، أحدها، - إن الجمعة وجبت في الأصل مع الإمام العادل باتفاق الأمة، فهي واجبة مع الإمام العادل للاتفاق على ذلك، فالإمام العادل شرط في وجوب الجمعة وصحتها لهذا الاتفاق، فنحن لا نوجبها إلا حيث أوجبها الاتفاق، ونمنع جوازها في غير ذلك، وثانيها – إن الإمام الجائر فاسقٌ بلا خلاف، وإن الفاسق لا تصح منه الصلاة، كما أن الكافر بالله لا تصح منه الصلاة أيضاً، فكيف تصح منه الجمعة، أو يكون فيها إماماً. وثالثها – إن الجبار مغتصب للمنبر، لأنه ليس هو من أهله، والصلاة خلف المغتصب قد عرفتم ما فيها، ورابعها – إن الخطبة ركن من أركان الصلاة، لأنها قائمة مقام ركعتين، والجبابرة