الحجج المقنعة في صلاة الجمعة
الجزء ١ · صفحة ٥٤…واعلم أن جميع ما مر من بيان صلاة الإمام العادل والجائر الجمعة، إنما هو في محل إقامة الإمام، أو في المكان الذي حكمه حكم إقامته، كما إذا كان في محل دون الفرسخين من وطنه، ولم يكن الإمام راجعا في من سفره، فإن حكمه في إذا لم يكن راجعاً إليه من سفر – حكمه في وطنه، فعليه فيه إقامة الجمعة، كما كان عليه في وطنه، أما إذا سافر الإمام، أو كان في موضع حكمه فيه حكم المسافر، ففي جواز صلاته الجمعة قولان: فقيل: له أن يصليها هنالك جمعة وهو مذهب الأوزاعي وأبي ثور، وعمل به عمر بن عبد العزيز، وإمام المسلمين عزان بن قيس رضي الله عنه، وقيل: ليس له أن يصلي الجمعة في السفر، وهو مذهب جمهور أصحابنا، قال ابن بركة في جامعه: ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بعرفة الظهر والعصر صلاة المسافر، وكان يوم جمعة، فهذا يدل على أن الإمام إذا سافر، فوافق الجمعة، كان حكمه حكم المسافرين، وقول من قال: إن الإمام حكمه في الحضر والسفر في صلاة الجمعة سواء، وإنه حيث حضرت الجمعة صلاَّها صلاة المقيم، باطل، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يجهر بالقراءة في صلاة الظهر بعرفة، كما يفعل الإمام في صلاة الجمعة، والرواية بذلك صحيحة، فمن ادعى أنه جهر بالقراءة، كانت عليه إقامة الدليل، وقال في موضع آخر من جامعه: وليس على الإمام جمعة في السفر، ولا يصلي في السفر إلا صلاة مسافر، وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه – صلى بأهل مكة ركعتين، ثم قال: أتموا فإنا قوم سفر، وإن علياً كرم الله وجهه صلى بالناس يوم الجمعة ركعتين، ثم التفت إليهم فقال: أتموا صلاتكم، وكان يرى أن القصر على الإمام وغيره في السفر وكان لا يرى الجمعة إلا في مصر جامع، انتهى.