الحجج المقنعة في صلاة الجمعة
الجزء ١ · صفحة ٥٥…قلت، وقد قدمتُ لك فيما مر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام زمن الفتح ثماني عشرة ليلة يصلي بالناس ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم يقول: (يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين أخريين فإنا قوم سفر)، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يمر في سفره على قرى كثيرة، ولم يُنقل عنه أنه صلى في شئ منها الجمعة، ففي هذا ما يدل على أن ليس للإمام أن يصلي الجمعة في سفره، ولا أعرف لأرباب القول الأول حجة فأذكرها هاهنا، ولعلهم إنما استدلوا على ذلك بما رُوي أن أول جمعة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة في المسجد الذي في بطن وادي بني سالم، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة يوم الاثنين، فأقام الثلاثاء والأربعاء والخميس في بني عمرو بن عوف، وأسس مسجدهم، ثم خرج من عندهم فأدركته الجمعة في بني سالم، فصلاها في مسجدهم، وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما – من أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحرى في الاتكاء في حال خطبته شيئا، ولكن كان يتوكأ في الحرب على السيف، وفي الحضر على العصا – وأراد بالحرب السفر لأنه هو المقابل للحضر.
…ويجاب على الاستدلال الأول – بأن ذلك إنما كان في أول الهجرة، وقضية الفتح وصلاته صلى الله عليه وسلم بعرفة ظهرا يوم الجمعة متأخرة، والعمل بالمتأخر من أفعاله صلى الله عليه وسلم، لأنه في حكم الناسخ لما تقدم، مع أنه يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم، علم من ربه أن المدينة هي وطنه ومستقره ، فصلاته فيها صلاة موطن، وذلك ظاهر، ويجاب عن الاستدلال الثاني – بأن ما ذكره ابن عباس غير نص على أن ذلك في صلاة الجمعة، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب للجمعة وغيرها، فلا يعارض ما قدمناه من النص على خلاف ذلك، والله أعلم.