الحجج المقنعة في صلاة الجمعة
الجزء ١ · صفحة ٥٧…وأما إذن الإمام فهو شرط في صحة الجمعة، لقوله صلى الله عليه وسلم (أربع إلى الولاة – الفيء والصدقات والحدود والجمعات)، فبين عليه الصلاة والسلام أن أمر هذه الأشياء كلها لولاة الأمر، ولا إشكال في أنه لا يصح إقامة الحدود بغير إذن الإمام، فإقامة الجمعات مثلها لاستوائهما في هذا الحكم، والفرق بينهما عسير جدا، واستدل ابن بركة على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن صلاة الجمعة بيوتهم)، واستدلاله بهذا الحديث، إنما هو في قوله صلى الله عليه وسلم: (أن آمر رجلاً) إلى آخر الحديث، فأخذ منه ابن بركة أنه لا تصح الصلاة إلا بأمر الإمام، إذ لو كانت تصح بدون ذلك، ما قال: (أن آمر)، وفي هذا الاستدلال ما لا يخفى، إذ لا يلزم من قوله صلى الله عليه وسلم: (أن آمر رجلا) إلى آخره، كون الأمر شرط لصحة الصلاة، لاحتمال أن يكون إنما قال ذلك لما علم من الصحابة أنه لا يصلون وراء غيره وهو حاضر إلا بأمره، فيكون أمره بذلك إعلاماً لهم أنه لا يصلي معهم، فينقطع هنالك انتظارهم له صلى الله عليه وسلم، فيصلون خلف غيره، ولك أن تجعل قوله صلى الله عليه وسلم: (فمن تركها وله إمام)، الحديث – دليلاً على اشتراط إذن الإمام، ووجه ذلك هو أنه ليس المراد من كون الإمام شرطاً لصحة الجمعة، نفس وجود شخص الإمام، بل ما كان شرطاً لذلك، إلا لأنه هو ولي أمرها، وبيده الإذن بإقامتها، وذلك موجود في الأحكام المشروطة صحتها بوجود الإمام، فلا يصح لأحد من الناس، أن ينفذ شيئاً منها عند وجود الإمام إلا بإذنه، فعلمنا أنه ليس نفس وجود شخص الإمام شرطا لصحة تلك الأحكام، وإنما شرط وجوده في ذلك، ليكون ممتازاً بأمره عن غيره، فتنقطع الأطماع في طلب التقدم في ذلك الأمر، وينتفي التنازع، ويرتفع الفشل، وفي الإيضاح - وجائز للإمام أن يأمر عماله في الأمصار بإقامة الجمعة، لأن خليفته في مقامه، فإن لم يأمرهم،