الحجج المقنعة في صلاة الجمعة
الجزء ١ · صفحة ٦٧…وأما النداء وهو الأذان للجمعة، فهو شرط لصحة الجمعة أيضا، فلا تتم الجمعة بدونه، وممن صرح بذلك أبو اسحق في خصاله، وذكره ابن بركة في جامعه من فرائض الجمعة، والمعنى واحد، لأن فرض الجمعة هو الذي لا تتم الجمعة بدونه، والدليل على أن النداء شرط لصحة الجمعة قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة). الآية، فالأمر بالسعي إلى ذكر الله متوقف على وجوب النداء، وما توقف عليه الواجب فهو واجب، فالنداء للجمعة واجب لهذا المعنى، وعلى ذلك جرى فعله صلى الله عليه وسلم حتى قبض، وعليه جرى عمل الأئمة الراشدين، وأطبقت عليه كلمة الموافقين والمخالفين، فهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، بلا خلاف ولا نزاع، ولا يشترط، أن يكون بعد دخول الوقت، بل يصح أن يكون قبله، حتى صرح الإمام أبو اسحق – أن تقديمه على الوقت من سنن الجمعة عند بعض أصحابنا، وهو من خصوصيات الجمعة، إذ لا يجوز تقديم الأذان على الوقت إلا في هذا الموضع، ويشارك الجمعة في هذه الخصوصية صلاة الفجر، فإنه يجوز تقديم آذانها على وقتها كالجمعة، صرح به الإمام أبو اسحق أيضا، ولم أجد في السنة ما يدل على تقديم أذان الجمعة عن وقتها، والذي وجدته في أذان الجمعة هو ما روى ابن عمر أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا رقى المنبر سلَّم ثم جلس خفيفا مستقبل الناس واستقبلوه كذلك، ثم يؤذن المؤذن، روى الشعراني أنه لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مكان التجميع غير مؤذن واحد يؤذن إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر ويقيم إذا نزل، وكان الأذان على باب المسجد، ففي هذا كله ما يدل على أن الأذان بعد دخول الوقت، ويمكن أن يكون قبل دخوله بمقدار ما يستكمل المؤذن أذانه، ثم يدخل الوقت، لكن هذا بالإمكان بعيد جدا، وتمييز المقدار من الوقت عسر جدا، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يراعي لهم ذلك القدر من الوقت، وكذلك لم ينقل عن الصحابة من بعده