الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة (نشر ونشر سعود السالمي، تعليق سالم الحارثي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الحجج المقنعة في صلاة الجمعة

الجزء ١ · صفحة ٦٩

…وإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة وجب السعي إليها، وحرم البيع والشراء، لقوله تعالى: ((وذروا البيع))، فأمرنا بترك البيع، حينئذ فيحرم علينا فعله، ولا يتم ترك البيع إلا بترك الشراء، فيحرم الشراء، إذ ما لا يمكن ترك الحرام إلا بتركه، فهو حرام مثله، وقيل بحرمة البيع بعد النداء إذا كان النداء بعد الزوال، وهو وقت الصلاة، أما إذا كان قبل الزوال فلا يحرم، وهذا القائل إنما نظر إلى أن النداء قبل الزوال ليس هو النداء المشروع، الذي يجب به ترك البيع وإنما النداء المشروع الذي يجب به ذلك، هو النداء الذي في وقت الصلاة، قال في الإيضاح: وكذلك لا يجوز البيع والشراء بعد أن تزول الشمس حتى يُصلَّى، وإن لم يؤذن إذا كانت قد زالت، لأن الأصل في تحريم البيع بعد النداء، إنما هو أن يُجيب إلى الجمعة، والأصل إن جميع ما يشغل عن إجابة النداء حرام، إلا إن وقع فرض على فرض، قياسا على البيع وتبعاً له، والله أعلم، انتهى. وظاهر كلامه، بل صريحه، إنما عدا البيع من المشغلات، مقيس على البيع في تحريمه، والعلة الجامعة بينهما هو الشغل عن ذكر الله، وظاهر كلام الزمخشري – إن الأمر بترك البيع إنما هو أمر بترك جميع المشغلات، وإن ذكر البيع في الآية، إنما هو من باب ذكر أغلب الأشياء وقوعا، وأكثرها تعودا، مع ثبوت الحكم لجميعها، فلا مفهوم لذكر البيع في الآية عنده، ونص كلامه – أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا، وإنما خص البيع من بينها، لأن يوم الجمعة، يوم يهبط الناس فيه من قراهم وبواديهم، وينصبُّون إلى المصر من كل أوب، ووقت هبوطهم واجتماعهم واغتصاص الأسواق بهم إذا انفتح النهار، وتعالى الضحى، ودنا وقت الظهيرة، وحينئذ تحرُّ التجارة ويتكاثر البيع والشراء، فلما كان ذلك الوقت مظنة الذهول بالبيع عن ذكر الله، والمضي إلى المسجد، قيل لهم – بادروا تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه

٦٩ / ٩٧