الحجج المقنعة في صلاة الجمعة
الجزء ١ · صفحة ٧٦ربما يكون طعناً على من قبله من الأئمة الراشدين، وتزكيته لنفسه، حيث أشار إلى أن كل واحد من الإمامين قوَّال، وأنه هو الإمام الفعَّال، وفي هذا الكلام ما لا يُخفى، فإن صحت الرواية، فلا جواب عن هذا البحث، إلا أن يقال – يمكن أنهم أعادوا صلاتهم التي صلوها خلفه، وهذا الإمكان بعيد جدا، أما أولاً – فلأنه لم تجر عادة الصحابة بالمداهنة في الدين، والتساهل في الشرعيات، وأما ثانياً – فلأنهم لو صلَّوا خلفه في ظاهر الأمر، ثم أعادوا بعد ذلك صلاتهم، كان ذلك تلبيساً على العوام، وهو محرم في الإسلام، فكيف يصدر من هؤلاء الأعلام؟ وأما ثالثا – فلأنهم لو أعادوا صلاتهم التي صلوها وراءه، لنقل ذلك عنهم كما نقل عن عثمان خطبته بهم، فإن صحت الرواية المذكورة عن عثمان، فهي حجة لأبي حنيفة على مذهبه، وبالجملة فإن مذهبه إنما هو خارجٌ مخرج الرأي، ومثاره عن اجتهاد، والله أعلم.
وفي الأثر عن أبي الحواري رحمه الله قال: أما خطبة الجمعة فإنه حدثنا نبهان بن عثمان عن الإمام الصلت بن مالك أنه يحفظ – إن قل هو الله أحد، تقوم مقام خطبة الجمعة، قال أبو الحواري: وأحسب أن الصلت بن مالك كان يحفظ هذا عن سعيد بن المبشر، وفي هذا الأثر ما يدل على أن أركان الخطبة المتقدم ذكرها عن أبي إسحاق وأبي مالك وغيرهما، لا يلزم إتيان جميعها، وأنه يجري الاقتصار على بعضها، والصحيح عندي هو ما قدمت لك من التزام الأركان المذكورة، فلا تجزي عن الخطبة قراءة سورة، أما أولاً – فلما تقدم من الروايات عنه صلى الله عليه وسلم، وأما ثانيا – فلأن قراءة سورة من القرآن لا يطلق عليها في كلام العرب اسم خطبة، والمشروع هاهنا إنما هو الخطبة لا القراءة، والله أعلم.