الحجج المقنعة في صلاة الجمعة
الجزء ١ · صفحة ٧٧قال أبو إسحاق في خصاله: والذي يستحب فيه خطبتان أربع خصال، أحدهما الجمعة، إلى أن قال: ويستحب عندي أن يفصل بين كل خطبتين لسكتة بلا جلوس، وذكر في موضع آخر من خصاله، إن الخطبة الثانية، والسكتة بين الخطبتين من سنن الجمعة، وظاهر كلامه رضي الله عنه أن الخطبة الأولى تجزي لصحة الجمعة، وأن الثانية زيادة فضل، وهو المذهب، وبه قال عطاء، ومالك، والأوزاعي وغيرهم، كما في الأشراف، وقال الشافعي: لا يجزي إلا خطبتان، يفصل بينهما بجلوس، ففي كلام الشافعي ما يدل على أن كل واحدة من الخطبتين فريضة، واشترط الفصل بينهما بجلوس، وقد تقدم لك عن أبي إسحاق أن يُستحب أن يفصل بينهما بسكتة ليس معها جلوس، فالجلوس بين الخطبتين عندنا محدث مكروه، وأول من أحدثه عثمان لما كبر سنه، وضعف جسمه، وقال طاووس: الجلوس يوم الجمعة بدعة، وأول من فعله معاوية، ثم ردوه من بعده، وقال الشافعي: إنما خطب معاوية جالساً حين كثر شحم بطنه ولحمه، وأنت خبير أنه إذا كان الجلوس بين الخطبتين محدثاً، فالمندوب تركه، أما أولاً – فلأن التأسي بالسنة أولى من العدول إلى البدعة، وإن كانت جائزة، وأما ثانياً – فلأن عثمان أو معاوية إنما أحدث الجلوس، لما حصل له من العذر، فلا ينبغي للصحيح الغير المعذور أن يتأسى بالمعذور، وإن كان فعل المعذور جائزاً، مثلاً إذا كان المشروع خلافه، والفضل في غيره، وما ذكرته من أن الجلوس بين الخطبتين محدث، هو عين ما صرح به الأصحاب – رحمهم الله تعالى، وقيل أنه غير محدث، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك، ففي كشف الغمة – أنه كان صلى الله عليه وسلم يخطب قائما ويجلس بين الخطبتين، ويقرأ آيات، ويذكر الناس ولعل الشافعي استدل بهذا الحديث فأوجب الجلوس بين الخطبتين، وحينئذ فيشكل ما قاله من وجوب الجلوس بين الخطبتين مع قوله إنما خطب معاوية جالسا حين كثر شحم بطنه ولحمه، ويجمع بين قوليه بأن يقال – إن الذي حكاه عن معاوية هو