الحجج المقنعة في صلاة الجمعة
الجزء ١ · صفحة ٨٩…المذهب الثالث لأهل الظاهر – وهو أن الغسل يوم الجمعة واجب، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، وبقوله صلى الله عليه وسلم: (على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم وهو يوم الجمعة). وبقول ابن عمر: أما الغسل فأشهد بأنه واجب. والجواب عن الاستدلال بهذه الأحاديث هو أن المراد بها أن الغسل كالواجب في تأكيد الندبية، أو كالواجب في الاختيار، وكرم الأخلاق والنظافة، أو في الكيفية لا في الحكم، وحاصل الجواب – أنه استعير لفظ الواجب، ولفظ على، فاستعملا في غير محلهما، وهو تأكيد في الندبية بقرينة الأحاديث المتقدم ذكرها. وقيل – أن ما دل على الوجوب من هذه الأحاديث منسوخ بما مر من الأحاديث، واعترض بأن النسخ لا يُصار إليه إلا بدليل، ومجموع الأحاديث يدل على استمرار الحكم، فإن في حديث عائشة – أن ذلك في أول الحال حيث كانوا مجهودين. وأبو هريرة وابن عباس إنما صحبا النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن حصل التوسع بالنسبة إلى ما كانوا فيه أولاً، ومع ذلك فقد سمع كل منهما منه عليه الصلاة والسلام – الأمر بالغسل والحث عليه، والترغيب فيه، فكيف يدعي النسخ مع ذلك، وأقول: أن الأحاديث الدالة على أن الغسل يوم الجمعة فضيلة لا حكم واجب، يكفي أن تكون دليلاً لنسخ الوجوب واستمرار الأمر بالغسل يوم الجمعة لا ينافي ذلك فإنه ليس المدعي نسخ الأمر به مطلقاً، وإنما المدعي نسخ وجوبه، فاستمرار الأمر به بعد ذلك، إنما هو حث على فعل الفضيلة، وبالجملة فكل واحد من الوجوب والندبية حكم برأسه، ولا يلزم من نسخ أحدهما نسخ الآخر، وبهذا يظهر لك أن القول بنسخ الأحاديث الدالة على وجوب الغسل أولى من تكلف تأويلها، والله أعلم.