القسمة وأصول الأرضين: كتاب في فقه العمارة الإسلامية أحمد بن محمد بن بكر بن أبي بكر بن يوسف الفرسطائي النفوسي أبو العباس

Alsaidia_142_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٩

إسحاق، ولعلَّ إهمال أبي زكرياء الوارجلاني لأبي العباس هو الذي جعل الوسياني الذي جاء من بعده ينقل أخباره ويهتم بآثاره.

ومهما يكن من أمر فإنَّ الأخبار المروية عنه - على قلتها وندرتها ـ تدلُّ عَلَى أن أبا العباس كان يتمتع بشخصية عظيمة ونفس مؤمنة تثق بقضاء الله وقدره .... ذكر أبو عمرو عن أبي العباس كان في حلقة أريغ فسمعوا بموت ولده إسحاق فلم يخبروه من وغلانة حتى وصلوا "تين تلات عَلَى رأس ثلاثة أشهر من علمهم بموته، فاجتمع إليه الشيوخ فعزوه وأخبروه أنهم سمعوا بموته في وغلانة (1). فنهرهم أبو العباس أشدَّ النهر، فقال لهم: لا تعتادوا هَذَا مِن فِعل! ولا ينبغي! وليس الناس سواء! وفي ذلك وجوه أرأيتم إن من قبل أن أَعْلَمَ كَم حرمتموني من الأجرا، وكم حرمتموني منذ ذلك الوقت إلى الآن، ولعل وصيته إلى لعلي أنفعه به من نزوع تباعة والدعاء والترحم له وعليه، وسنة الأولين لا

يكتمون شيئًا من ذلك، إذ لو كان يكتم لكتم موت رسول الله (2). ولأبي العباس نظرات في شؤون الناس وحياتهم تدلُّ على بعد نظر وسداد رأي وعمق تجربة، فمما لاشك فيه أنَّ الظروف العصيبة التي جعلته يتحمل شظف العيش بعيداً عن الأهل والأقارب، إضافة إلى ما عرفه عصره من فتن وقلاقل طبعت الحياة بالخوف والتوجس. هذه الظروف الخاصة والعامة أكسبته تجربة وعلمته دروساً، ومن حكمه التي ينبغي أن تروى وتحفظ ما ذكره عنه أبو داود بن يخلف قال:

1

الخبر،

الناس إذا أتاهم خبر خوف انتقلوا عن الحال التي كانوا عليها قبل ورود ولو كان في حر وبرد وأخذوا لأنفسهم بالحذر والتحرز، ولعل ذلك الخبر يكون أو لا يكون وليسوا منه على يقين، ولقد أنذرهم الله وخوفهم من الشيطان

- 2

كان إسحاق بن أبي العباس أحمد يقيم بوغلانة، وبها مات ودفن.

الوسياني: سير (مخ)، 118/ 1.

- 39 -