كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري
الجزء ١ · صفحة ١١٦ومن المعنوية استحالة الإسناد عقلا على ظاهره، نحو: " صام النهار " بمعنى الصوم الشرعيّ و"صيم النهار" بالبناء للمفعول؛ لأنّ المبنيّ للمفعول إذا أسند لغير ما هو له كان الإسناد مجازا عقليا، وأمّا " أنبت الربيعُ البقلَ " فليس ظاهره مستحيلا عند كلّ عقل، بل عند العقل الصحيح فيحتاج إلى قرينة كصدوره من الموحِّد، وإن خاطب ذا العقل الصحيح موحِّد فقرينتان: كونه من الموحّد واستحالة ظاهره، والمعتمد كونه من الموحّد، ويكون مع العقل في إثبات الاستحالة نظر أو عادة أو تجربة أو إحساس. ومن قرينة الاستحالة ما في قولك: "محبّتك جاءت بي إليك " لظهور استحالة قيام المحبّة بالمجيء؛ وحقيقته: " نفسي جاءت بي بسبب المحبّة "، فالمحبّة سبب داع للمجيء للفاعل، وأوكد من هذا أنّ الحقيقة " الله جاء بي بسبب المحبّة " قيل استحالة إنّما هي على مذهب المبرّد من أنّ (الباء) للمصحابة، وأنّ المفعول صاحب الفاعل في الحكم، ففي " جاء زيد بعمر " وجاءا معا " لا على مذهب سيبويه من (الباء) للتعدية، أي: << صيّرتني>> أو << صيّر عمرا جائيا من غير أن يجيء هو>>، أو << مع مجيئه معه>>، لكنّ مجيئه ليس تفيده العبارة على مذهب سيبويه إنْ جاء معه، فمعنى << محبّتك جاءت بي>>: جعلتني جائيا من غير أن يشاركني، بل هي سبب حاصل مثير على المجيء، فهي سبب حقيقة فلا يكون إسناد المجيء إليها مجازا.
ومن المعنوية استحالة الإسناد على ظاهره عادة، نحو: "هزم الأميرُ الجندَ " لاستحالة أن يهزم الأمير وحده الجند، ولو أمكن عقلا ووقع شاذّا أيضا. واعلم أنّ صدور ما لا يصحّ في اعتقاد المتكلّم به إجراؤه على ظاهره يكون قرينة وهي معنوية، ويقال للمعنوية حالية ويقابلها اللفظية، فصدور لفظ الشرك وما دونه من الموحِّد المحقّق غير مخفي حاله قرينة على إرادة غير ظاهره " كأنبت الربيعُ البقلَ" وقول الموحِّد:
أشاب الصغيرَ كرُّ الغداة … وأفنى الكبيرَ مرُّ العشي