كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري
الجزء ١ · صفحة ١٦٨والذي كنت أفهمه قبل هذا ما قيل: إنّ أهل الحضر ينالهم ذلّ الحكام ومشقّتهم بخلاف البادية، والبادية إلى الآن فيهم عزّة النفس؛ ترى أعرابيا صغيرا أو كبيرا حقيرا أو عظيما ينادي شيخ البلد: يا فلان، دون أن يقول: يا أبا فلان، ولا يا عمّي فلان، ولا يا سيّدي، أو ما أشبه ذلك. والله أعلم .
ويؤتى بالمسند إليه اسم الإشارة أيضا للتعريض بغباوة السامع كان لا يدرك إلاّ المحسوس، كقول الفرزدق:[ من الطويل ]
أُولَئِكَ آبَائي، فَجِئْني بمِثْلِهِمْ … إذا جَمَعَتْنا يا جَرِيرُ المَجَامِعُ(1) …
… فإنّه لو قال فلان وفلان وفلان آبائي لم يكن فيه تعريض بغباوة جرير، ومراده: التعريض بها كما عرّض بها له في قوله <<يا جرير>> بصيغة النداء، أو يقال: لا تعرف أنّك المخاطَب ما لم تنادَ، ولاسيما إن قلنا: يا للبعيد، فكأنّه قيل: لا تعرف أنك المخاطَب حتى تنادَى، ولا تجيب مناديا حتى يكون نداؤه بصيغة البعد لبلادتك ولا تزال بعيدا.والأمر في << فجئني >> للتعجيز على حدّ قوله تعالى ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴾(2) أي: لا تقدر على الإتيان بمثلهم في مناقبهم، أي: فاذكر لي مثلهم من آبائك إذا جمعتنا المجامع للافتخار ؛ وذكر <<المجامع>> إشارة إلى أنّه بعيد عن الإنّصاف مكابرة جدا حتى لو لم يكثر الشاهدون بالحق لادّعى ما شاء . والله أعلم .
(1) - الديوان 418:1
(2) - البقرة جزء من الآية 23 - الآية الكريمة { وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ
مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ }