كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري
الجزء ١ · صفحة ٢٥٥وقد صرّح الأئمّة بالحصر فيه مطلقا، وقالوا معناه: <<ما أهرّ ذا ناب إلاّ شرّ>> ووجهه أنّ تنكيره للتعظيم والتهويل، والحصر من جهة التعظيم والتهويل، فالمعنى شرّ عظيم فظيع لا شرّ حقير، فالحصر نوعيّ في الجنس أو الواحد، ومانع الحصر إنّما منعه من حيث الجنس والوحدة، والحاصل أنّ معنى شرّ عظيم أهر ذا ناب لا شرّ حقير مقبول، ومعنى شرّ أهره لا خير لا خير أو شرّ لا شرّان أو شرور غير مقبول. وردّ مذهب السكاكي بأنّ الفاعل اللفظيّ والمعنويّ سواء في امتناع التقديم ما بقيا على حالهما، فكما لا تقول في " رجل جاء " أنّ رجلا فاعل مقدّم لفظيّ، لا تقول إنه فاعل معنى لو أخّر كان بدلا من ضمير ينوى في <<جاء >>، ولا تقول في " أنت قمت " <<أنت>> فاعل معنى أصله أن يتأخّر ويكون تأكيدا، وذلك أنّه لا يجوز أيضا تقديم البدل ولا التوكيد، بل عدم جواز تقديمهما أولى؛ لأنّ فيه تقديم التابع على المتبوع وتقديمه على ما لا يتقدّم عليه المتبوع، بخلاف تقديم الفاعل لأنّه تقديم واحد، ولأنّ الكوفيين أجازوا تقديمه، ولأنّ الفاعل إذا فسخ عن الفاعلية وقدّم وجعل مبتدأ يخلفه ضمير، بخلاف التابع فلا يخلفه شيء.
وأما تقديم التابع على المتبوع دون العامل فقد ورد في الضرورة كقوله:[ من الطويل ] … ... …
بَنَيْتُ بِهَا قَبْلَ الْمُحَاقِ بِلَيْلَةٍ … فَكَانَ مُحَاقاً كُلُّهُ ذَلِكَ الشَّهْرِ(1)
(1) - ينظر الشعر والشعراء لابن قتيبة 720:2، والكامل للمبرد 212:1، وخزانة الأدب للبغدادي 199:4. … وقد يبس الجنبان واحد ودب الظهر
وجاء في حاشية الدسوقي أن هذا البيت من جملة أبيات تنسب للثعالبي هجواً في امرأة عجوز تزوّجها
بعد غارة له لما رآها محلاة ثم انكشفت سوأتها بعد التزوّج، وأوّلها:
0@ عجوز تمنت أن تكون فتية
تروح إلى العطار تبغي شبابها … وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر
وما غرّني إلا الخضاب ّبكفّها … وكحل بتعينيها وأثوابها الصفر
وقال ابن سيده: المِحَاق و المُحاقُ آخر الشهر إِذا امَّحق الهلال فلم يُرَ؛ قال:أَتَوْني بها قبل
المُحاق بليلةٍ فكان مُحاقاً كله ذلك الشَّهْرُ وأَنشد الأَزهري:
يَزْدَادُ، حتى إِذا ما تَمَّ أَعْقَبَهُ … كَرُّ الجَدِيدَيْنِ منه ثم يَمَّحِقُ
وقال ابن الأَعرابي: سُمِّي المُحَاق مُحاقاً لأَنّه طلع مع الشمس فَمَحَقَتْه فلم يرهُ أَحد، قال:
والمُحاقُ أَيضاً أَن يسْتسرّ القمر ليلتين فلا يُرى غُدْوة ولا عشية، ويقال لثلاث ليالٍ من الشهر ثلاثٌ
مُحَاق. و امْتِحاق القمر: احتراقه وهو أَن يطلع قبل طلوع الشمس فلا يُرَى، يفعل ذلك ليلتين من
آخر الشهر. الأَزهري: اختلف أَهل العربية في الليالي المِحاقِ، فمنهم من جعلها الثلاث التي
هي آخر الشهر وفيها السِّرارُ، وإلى هذا ذهب أَبو عبيد وابن الأَعرابي، ومنهم من جعلها ليلة
خمسٍ وستَ وسبعٍ وعشرين لأَن القمر يطلع، وهذا قول الأَصمعي وابن شميل، وإليه ذهب أَبو الهيثم
والمبرد والرياشي؛ قال الأَزهري: وهو أَصح القولين عندي، قال: ويقال مُحَاق القمر و مِحَاقه
و مَحاقه. و مَحَّق فلان بفلان تَمْحِيقاً: وذلك أَن العرب في الجاهلية إِذا كان يومُ المِحَاقِ من
الشهر بَدَرَ الرجل إلى ماءِ الرجل إذا غاب عنه فينزل عليه ويسقي به مالَه، لا يزال قَيِّمَ الماء ذلك
الشهر ورَبَّه حتى ينسلخ، فاذا انسلخ كان رَبّه الأَول أَحق به.