كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري
الجزء ١ · صفحة ٣٠٠روي أنّ عمرو بن الجموح وهو شيخ كبير له مال عظيم جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ماذا ننفق من أموالنا ؟ وأين نضعها ؟ فذكر الله تعالى سؤاله الأوّل فقط وهو قوله: " ماذا ننفق من أموالنا إبرام شعير أم دراهم؟ " وهكذا ولم يذكر سؤاله الثاني ، وهو قوله : " وأين نضعها؟ " وأجاب بالثاني الذي لم يذكر، وترك الجواب عن الأوّل تنبيها على اللائق بهم تركه والاقتصار عن الثاني. ولا يخفى أنّ إجابة السؤال عن الجنس الذي يتصدّق به ببيان مصرف الصدقة من خلاف مقتضى الظاهر، هكذا ظهر لي ولم أجده لغيري. وبه يحصل الجواب عن إيراد صاحب عروس الأفراح(1) ولو أقرّه الصبان ، ويسر أنّ ذلك من مقتضى الظاهر إذا أجيب عن بعض ما يطلب والسائل واحد ، وجمع لأنّه في جملة الصحابة ، ولأنّهم رضوا سؤاله فاعتبروا في مرجع الضمير ، ولا يظهر أيضا أنّ السؤال عن مقدار النفقة أقليل أم كثير ولا عنه وعن الجنس كما أجاز بعضهما الاحتمالين، بل هو عن الجنس وحده، فأجيبوا بما هو أهم وهو بيان مصرفها، لأنّ النفقة لا يعتدّ بها إلا أن تقع موقعها، بخلاف ما يتصدّق به فإنّه يعتدّ به من أي جنس، وقليلا أو كثيرا؛ وهي الصدقة النافلة لأنّها لا يعتدّ بها لو وقعت في محرم كالصدقة على عاص لأجل عصيانه، أو عاص لا يجوز أن ينفق عليه كالطاعن في الدين والناشزة، وكالإنفاق في معصية. فبيّن الله مصارف النفقة المختارة، ولو جاز غيرها أيضا وأثيب عليه؛ كالنفقة على غير أجنب.
(1) - هو بهاء الدين السبكي. ينظر شروح التلخيص 483:1 ( قال: والسبب في هذا تنبيه السائل على أنه
كان الأحرى به أو الأهم أن يسأل عمّا وقع الجواب عنه )