كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري
الجزء ١ · صفحة ٣٥١ومن استعمال <<إن>> في حال الجزم أن تنزل المخاطب العالم بالشرط ثبوتا أو عدما منزلة جاهله لمخالفة مقتضى عليه، فتقول مثلا له وهو يؤذي أباه: " إن كان أباك فلا تؤذه " ولك أن تجعل نكتة التنزيل جارية على موجب الجهل، ولك أن تعتبر في هذا المثال ونحوه تنزيل المتكلّم نفسه منزلة الشاكّ؛ لأن فعل المخاطب وهو إيذاء أبيه مثلا كان أوقع المتكلّم في الشكّ، وفي هذا الاعتبار ملاحظة المتكلّم كما هو الأصل في <<إن>>.
… ... وتستعمل <<إن>> في حال الجزم لتعبير المخاطب أو غيره على الشرط، وذلك بأن يصور أنّ المقام لاشتماله على ما يقلع الشرط عن أصله لا يصلح إلا لغرض من الأغراض كالتبكيت والإلزام والمبالغة كثيرا مع <<إن>> وفي سائر الكلام، كقوله تعالى ﴿ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ ﴾(1) فكونهم مسرفين مجزوم به ، لكن جيء بـ<<أن>> لقصد التعيير، ونسمّيه التوبيخ ، وبيان ذلك أنّ الإسراف مع وجود الآيات الصارفة عنه يكون كالمحال لا محالا بل متعسّر ، والمتعسّر يقبل الشكّ في الوقوع، بل المحال مع القطع بعدم وقوعه تستعمل فيه <<إن>> لتنزيله منزلة ما لا قطع بعدمه على سبيل المساهلة وإرخاء العنان لقصد التبكيت وهو إسكات الخصم بالحجة ، لأنّ الخصم إذا تنزل معه إلى ظهور مدعاه في صورة المشكوك اطمأنّ لاستماعه ، فحينئذ يترتّب عليه لازما مسلم الانتفاء ، كما في قوله تعالى ﴿ وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ ﴾(2) ،
(1) - الزخرف 5
(2) - البقرة جزء من 23 الآية الكريمة { وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ }