كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري
الجزء ١ · صفحة ٣٥٣إذ غلب غير المرتابين على المرتابين، لأنّه كان من المخاطبين من يعرف الحق وينكره عنادا ، وجعل الجميع كأنّه لا ارتياب لهم ، والمراد بغير المرتابين: من لم يتّصف بالريب لا من شك في ربهم ، لأنّ فيهم من عرب الحق ، وإنّما أنكره عنادا ، ولأنّ مخاطبهم بهذا الكلام هو لله تعالى ، فلا معنى لكونه غير المرتاب بالنسبة إليه تعالى ، وهو المشكوك في ريبه. ويبحث بـ<<إن>> حقيقة التغليب أن يوجد للكلمة ما ليس لها ويغلّب ما لها على ما ليس لها، وهنا ليس كذلك لأنّ البعض مرتاب قطعا والبعض غير مرتاب قطعا، فلم يوجد ما يليق بـ<<إن>> فمجرد التغليب لا يكفي، بل لا بدّ من انضمام شيء آخر يصحّ به استعمال <<إن>>. قلت: قد يجاب بوجود صورة الشكّ تنزيلا لا تحقيقا في جانب من لم يرتّب، وأنكر بأن اعتبر مخالفتها لما لم يرتب فيه ممّا يشكّ به في ارتيابه، فناسب <<إن>> فغلب جانبه على جانب من يقطع بشكّه، فافهم ذلك فإنّك لا تراه لغيري.
وأداة الشرط تغلّب الماضي للاستقبال إلا لفظ <<كان>> ولا يشاركها في ذلك أخواتها ولا لفظ <<لم يكن>>، وقيل: تغلّب <<كان>> أيضا. ونسب للجمهور ووجه اختصاص <<كان>> بذلك قوة دلالتها على المضيّ لأنّ الحدث المطلق مستفاد من الخبر، فلا يستفاد من <<كان>> إلا الزمان، وأعني بالحدث المطلق مطلق الوجود فإنّه المستفاد من الخبر في ضمن استفادة الحدث المخصوص مثل القيام، ولا يضرّنا أنّ هذا التعليل لا يجري في أخوات <<كان>> كـ<<صار>> مثلا إذ الانتقال الذي هو مدلوله لا يستفاد من الخبر حتى يتمخّض للدلالة على الزمان، لأنّ المدّعي مخصوص بـ<<كان>>، إلا أنّه ورَد أنّه كما اعتبر الانتقال في <<صار>> اعتبر الاستمرار أو الانقطاع في <<كان>>، وهما غير مستفادين من الخبر قطعا، فلا يتم التعليل.