كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري
الجزء ٢ · صفحة ٤٢… ... العواذل جمع عاذلة بمعنى جماعة عاذلة لا جمع امرأة عاذلة، بدليل (الواو) في <<صدقوا>> فإنّه للذكور أو لهم مع الأناث، وإنّما أجعله جمع عاذل لمذكر لأنّ فاعلا لمذكر عاقل صفة حقه أن لا يجمع على فواعل إلا قليلا، ويضعف جعله جمع عاذلة لمذكر بتاء المبالغة لا من إلحاقها فاعلا غير مقيس، فلا يحمل عليه البيت؛ وكأنه قيل: هل صدقوا ؟ فقال: صدقوا. والغمرة الشدة والزعم هنا بمعنى الاعتقاد الحق لقوله صدقوا، كقول أبي طالب: [ من الكامل ]
ودَعَوْتَني، وزَعمتَ أنك ناصحٌ … فلقد صدقْتَ، وكنتَ ثَمَّ أمينا(1)
… لقوله <<فلقد صدقت>> إلا أن يقال أراد أولا إنّك كذبت يا محمد ـ حاشاه - صلى الله عليه وسلم - وهو أصدق الخلق ـ ثم بعد ذلك ظهر لي صدقك تحقيقا، والله أعلم.
… ... والزعم مطية الكذب، فيفهم أنّ ما زعمه العواذل يحتمل الكذب والصدق، وإن قلت: إذا تصوّر من الكلام الأوّل الصدق فيما زعموا، وتردّد هل وقع ذلك الصدق؟ وكان المقام مقام التردّد، والكلام يشتمل على خصوصية، لأنّ العلم حاصل بواحد من الصدق والكذب، والسؤال عن تعيينه فلم يؤكّد الجواب، مثل " إنّهم صدقوا" أو " لصادقون " قلت: أتى بالجواب ماضيا ليطابق السؤال، والتأكيد مقدّر أي: <<صدقوا والله >> أو<< صدقوا صدقوا>> . أو لمّا كان الكلام في معنى طلب التصوّر، إذ حاصله أي واحد من الصدق والكذب وقع في زعمهم، والتصوّر لا يطلب التأكيد، وقال عصام الدين: الأوجه أنّ المراد<< زعم العواذل أنني في غمرة تنكشف>> فالزعم في معناه المشهور، ولمّا كان زعمهم مركبا سأل: هل صدقوا ؟ فأجاب بأنّهم صدقوا في قولهم إنّه في غمرة أي شدة، وكذبوا في دعواهم الانجلاء إذ غمرته لا تزول كما تزول سائر الغمرات، والله أعلم.
(1) - ينظر الشروح 3: 66