كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري
الجزء ٢ · صفحة ٩٦… فلفظ <<الندى>> حشو مفسد لأنّه لا يصحّ قولك: لا فضل للعطاء لولا لقاء الموت، لأنّ قولك هذا يفيد أنّه إنّما يكون الفضل للمعطي من أجل أنّه يموت، ولو كان لا يموت لم يكن له فضل، والأمر إنّما هو بالعكس لأنّه من علم أنّه يموت يسهل عليه العطاء لأّنّه يموت ويخلف المال، ولأنّه ليس يحتاج إليه أبدا، لأنّ الموت يقطع احتياجه إليه، وإنّما يصعب على نفسه العطاء جدا لو كان يموت إذ يحتاج إليه دائما، فإذا أعطى مع أنّه لا يموت مدح بخلاف الصبر على المكاره والشجاعة في الحرب، فإن استشعار الحرب سبب لعظمها، إذ يعلم أنّ شجاعته أو صبره يوصلان إلى الموت ومع ذلك يصبر عليهما، ولو كان لا يوصلان إليه لسهلا واجترأ الناس لعلمهم بأن العاقبة للخلاص، والضمير في <<فيها>> للدنيا و<<الندى>> العطاء و<<شعوب>> علم جنس للموت صرف للضرورة على أن بكسر ولو بلا تنوين صرف، وقيل ليس صرفا وإنما الصرف التنوين مطلقا، وقال أبو الفتح: ليس الندا حشوا لأنّ المعنى أنّ الخلود في تنقل الحال من عسر إلى يسر ومن شدّة رخاء يسهل البؤس ويسكن النفوس فلا يظهر لبذل المال كثير فضل، بخلاف الأمر إذ كان الموت لا بدّ منه ومع ذلك يبذل المال، فربّما أبذله فيحتاج وينكد عيشه إلى أن يتّصل بالموت فيكون في شدّة تليها أخرى، وقد يقال: إنّه على تقدير الخلود وخوف الابتلاء بالشدّة والاحتياج أكثر، وعلاقة القلب بمحبّة المال أشدّ، وأما رجاء البذل المالي بتنقل الأحوال ففي غاية الضعف بخلاف تقدير الموت، ولذا كان ترك الشاب للمال أفضل من ترك الشيخ الفاني فهو حشو، وإنّما صحّ لنا أن نقول: إن <<الندا>> حشو مع أنّه ليس في الكلام ما يغني عنه ويفيد معناه، لأنّه لا يشرط في الحشو وجود ما يفيد مدلوله غيره، وكذا الإطناب لا يجب أن يكون مستفاد ممّا قبله، بل إذا أتي بالشيء لمعناه وفيه دقيقة في المقام مناسبة لا يأتي به لأجلها الأوساط، بل يتفطن له البلغاء ويقدمون الإتيان بها كان