كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري
الجزء ٢ · صفحة ١١٥فالعقل دلّ على أنّ هنا حذفا، لأنّ الأحكام الشرعية تتعلّق بالأفعال دون الأعيان، والمقام يدلّ على أنّ المحذوف تناول تلك الأشياء الشاملة للأكل وشرب الألبان، إذ لا معنى لتعلّق التكليف بالذوات لعدم القدرة عليها؛ هذا مذهبنا ومذهب المعتزلة والأشعرية العراقيين، وقال جمهور الأشعرية:إن تعلّق الأحكام حقيقة يراد بها تحريم العين كالخمر والخنزير، وقال السبكي: الحلّ والحرمة وسائر الأحكام عند الأشعرية ليست من صفات الأعيان، وذهب من ينتمي إلى أبي حنيفة من علماءالكلام إلى أنّها صفات للمحال، وينبني على المسألة أن حرمت عليكم أمهاتكم ونحوه، هل هو مجمل ؟ فمن قال بالثاني نفى الإجمال ويلزمه الوقوع فيه، لأنّ الذات إذا كانت محرمّة ينبغي أن يضاف التحريم إلى كلّ ما لاقاها من الأفعال حتى يحرم النظر إلى الأم وغير ذلك ممّا لم يقل به أحد، ومن قال بالأوّل أثبت الإجمال غير أنّه يدّعي في اللفظ عرفا ما يقتضي بأنّ المراد الفعل المقصود من الذات لا نفسها، قال: وعندنا أنّ المعقود عليه في النكاح منفعة البضع، ولا نقول: إنها في حكم الأجزاء، وقال أبو حنيفة: عين المرأة يوصف بالحل، فالخلوة لا تقرر المهر عندنا ـ يعني الشافعية ومن معهم ـ لعدم استيفاء المنفعة، والخلوة لا تقتضيها، والحرّ لا يدخل تحت اليد، وهم لمّا قالوا المعقود عليه عينها جعلوا نفسها من التمكّن بالخلوة كافيا. ومن الأدلّة العقل إذا دلّ على الحذف وعين المحذوف، كقوله تعالى ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾(1) فالعقل يدلّ على امتناع المجيء عن الله عز وجل، ويدل على تعيين المراد، أي جاء أمر ربّك، أي: ما أمر به ربّك، والأمر أعمّ من العذاب، وإن قدر وجاء عذاب ربّك، فقيل ما يعذب به.
(1) - الفجر جزء من 22 – الآية الكريمة ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾