كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري
الجزء ١ · صفحة ٦٣وأجيب على احتجاجه بأنّ الله جلّ وعلا سمّاهم كاذبين في قولهم إنّهم استحقوا اسم الشهادة، إذ قالوا: << نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ >> وهم لم يستحقوها، لأنّها إنّما تكون شهادة عن صميم القلب، وليس في قلبهم أنّه رسول الله، فليسوا مستحقين لها. وبأنّه عزّ وجلّ سمّاهم << كَاذِبِينَ >> في قولهم: " إن شهادتنا هذه من صميم القلب " - والصميم: الخالص - وبأنّ قولهم: << نَشْهَدُ >> إخبار بالشهادة في الحال وهو كذب، لأنّ الشهادة خبر قاطع ولا قطع عندهم، أو في الاستمرار والكذب عليه ظاهر. ولا يخفى أنّه لم يريدوا إنشاء الشهادة، وإن سلّمنا أنّه إنشاء للشهادة قلنا: صحّ تكذيبه باعتبار تضمّنه أخبارا بصدوره عنهم، وبأنّ الكذب في الشهادة عدم كونها عن مشاهدة وعيان، وبأنّ التكذيب راجع إلى خبر تضمّنه كثرة التأكيد في << إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ >>، وهو كون هذا القول عن اعتقاد، وكون التسمية كذبا إنّما هو باعتبار تضمّنها حكما خبريا، وهو أن إخبارهم هذا يسمّى شهادة، فلا يردان الخبر وإنّما يدخل النسب الخبرية التامة. والتسمية وصف من أوصاف المسمّى، فكيف يقال: إنه كذب، وبأنّ المعنى: << إِنَّهُمْ لَكَاِذبُونَ >> في اعتقادهم أن قولهم << إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ >> كذب منهم، أعني أنّ كذب هذا الخبر إنما هو لأنّه عدم في اعتقادهم عدم موافقته للواقع، وبأنّ التكذيب راجع إلى حلف المنافقين ( سمع زيد بن أرقم عبد الله بن أبيّ [ بن سلول ]في غزوة يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتّى ينفضّوا من حوله، "ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجّن الأغرّ منها الأذلّ"، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فدعاه، فحلف أنّه لم يقل ذلك، فلزم بيته اغتماما بأنْ صدّق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبدَ الله وكذّبه، فقال له عمّه: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضعتك، فنزل << إذا جاءك المنافقون… >> الآية.