كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري
الجزء ١ · صفحة ٧٧وأمّا الجهل المركّب فلا يسمّى علما إلا مجازا، وإنّما قلنا حصول صورة الحكم مع أنّ العلم هو الصورة الحاصلة لنفيد أنّ صورة الحكم إنّما كانت علما لحصولها في الذهن، وإن قلت: إذا سمعنا خبرا وحصل لنا منه العلم يكون المتكلّم عالما به حصل في ذهننا صورة هذا الحكم سواء أعلمناه قبل أو لا، فإذا علمناه قبل لم يكن علما جديدا، قلت إما أن ينسى ما علم قبل فيتجدّد علمه بالخبر، وإما أن لا ينساه فيحصل العلم بالخبر أيضا مطابقا للعلم الأول. وأيضا قد علمت أنّ المراد بالمستفاد: ما استفيد بالفعل أوما من شأنه أن يستفاد من كلام المتكلّم الحاصل. وإن قلتَ: كثيرا ما تسمع خبرا ولا يخطر ببالنا أنّ صورة هذا الحكم حاصلة في ذهن المتكلّم أو غير حاصلة، قلتُ: يكفي في فائدة الخبر أن يكون المتكلّم عالما بحصول صورة الحكم في ذهنه، ولو لم يعلم السامع أن المتكلّم عالم به، وأيضا يكفي أن يكون الكلام أصله علم متكلمه بذلك.
وإنّما قدّمت الإخبار على الإنشاء لعظم شأنه وكثرة مباحثه، وذلك أن المزايا والخواص المعتبرة عند البلغاء أكثر وقوعا، فيبدو أنّ الخبرأصل للإنشاء؛ لأنّ الإنشاء خبر صار إنشاء بحذف، كما في " اضرب "، أو بزيادة، كما في " ليضرب " و" لا تضرب " و" لتضرب " و" ليْتك تضرب " و" لعلك تكرم ".أو بنقل " كنعم" و" عسى " .والله أعلم.
واعلم أنّ ما ذكرته من فائدة الخبر ولازمها هو الأصل، بل فائدة الخبر أشدّ أصالة، وكثيرا ما يرد الخبر لغير فائدة الخبر ولازمها، مثل إظهار الضعف في قوله تعالى عن زكريا ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ﴾(1) ،
(1) - مريم جزء من 4 - الآية الكريمة { قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ
بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا }