تحكيم الحكمين لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١٢قلت: تندفع هذه الاعتراضات كلها بحسن التأمل ودقة النظر أما النص على الإصلاح في الآية مع السكوت عن التفريق فلا يدل على عدم تسويغ التفريق ذلك لأن المسكوت عنه لا يدل عليه حكم من حيث السكوت وقد فهمت من معنى التحكيم ما يدل أن للحكمين أن يجمعا وأن يفرقا وإنما اقتصر على ذكر الإصلاح لأجل الترغيب في الألفة والتنفير من الفرقة ما وجد إلى ذلك سبيل وأما ما قاله علي كرم الله وجهه للرجل فقصارى ما فيه أنه ما أراد به إلا زجره على تعنته حيث أبى أن يرضى بما حكم الله به وإنما أراد به أن يرده للحق الذي أباه ولو كان ذلك من أجل أن التفريق لا يسوغ إلا برضاهما معا لما كان له أن يكرهه على قبول ما لم يرض به فإن الصلح لا يكون بإكراه أحد ولو كان الحكمان وكيلين أو شاهدين لما كان معنى لقوله "أتدريان ما عليكما" وإنما كان المناسب في ذلك أن يقول لهما "أتدريان بما وكلتكما" كما نبه عليه ابن عبد البر في الاستذكار وأما قوله (ابعثوا) فهو لا يدل على أنه خطاب للزوجين وإلا لقال ابعثا من أهلكما بصيغة التثنية مع إضافة الأهل إلى ضمير الخطاب المثنى دون ضمير الغيبة وإنما قال ذلك ولم يكتف بأن يبعث بنفسه الحكمين لقصد إشراك من معه في القيام بهذا الأمر بانتخاب الحكمين الصالحين من أهليهما كما قصد بيان الحكم الشرعي في ذلك ليعرفه من لم يكن به عارفا.
وقد يستدل للقول الآخر بأن الطلاق إنما هو من اختصاص الزوج فلا يكون بيد الحكمين إلا إن فوضهما فيه الزوج ولكن يدفع ذلك بأن الطلاق قد يصدر من غير الزوج في أحوال معينة فقد يكون بحكم من القاضي الشرعي لرفع الضرر عن المرأة وقد يكون من الولي في حال تعذر أن يقوم به الزوج إما لغيابه أو لعدم أهليته له وذلك فيما إذا طالبت به المرأة لتضررها ببقائها في عصمة الزوج.