تحكيم الحكمين لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٣وبقدر عمق هذه العلاقة ومتانتها تكون مشكلاتها أعمق أثرا وأكثر تعقيدا وأصعب على من يسعى لحلها، فكثيرا ما يلتبس الأمر بسبب هذا الاختلاط في الحياة الزوجية الذي يجعل من الزوجين حقيقة واحدة حتى يتعذر أو يتعسر التمييز بين المسيء والمحسن منهما لأن ما يفضيه كل واحد منهما إلى الآخر لا يكاد يطلع عليه غيرهما، إلا أن صلة القربى التي تكتنفهما من أهليهما تمكن الأهلين أكثر من غيرهما من اكتشاف الغوامض واستظهار الخفايا، لذلك جاء التشريع الرباني العظيم متوائما مع هذا الواقع عندما أمر الله تعالى في قوله ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا ﴾ بإشراك أسرتيهما في حل نزاعهما بتمثيل كل أسرة بحكم منها ليستقصي الحكمان أسباب الخلاف ويسبرا مثار الشقاق ويستكشفا عمقه وأبعاده لينظرا فيما إذا كان داؤهما ينجع فيه الدواء فيعالجانهما بما هو أشفى لعلتهما وأقطع لدابرها ليعود إليهما الصفو بعد الكدر والألفة بعد النفرة، أما إن استحكم الداء فيهما حتى استعصى على العلاج ولم يزده مبضعهما إلا استفحالا وانتشارا فإن الحل الوحيد في هذه الحالة هو الانفصال لإراحتهما من معاناة دائمة ونكد لا ينتهي إلى حد "وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته" وهو وإن كان مرا مذاقه ثقيلا وقعه فإن الضرورة تلجئ إليه كما تلجئ المريض بداء عضوي إلى بتر عضوه المصاب الذي استفحل داؤه فخيف منه على سائر الجسم لأجل المحافظة على سلامة سائر الأعضاء.