تحكيم الحكمين لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٤هذا وقد اختلف أهل العلم في هذين الحكمين وصفة وظيفتهما الشرعية أهما محكمان في أمر الزوجين أم هما شاهدان عليهما وموكلان عنهما؟ وبناء على كونهما محكمين فإن لهما بل عليهما أن يفرقا بين الزوجين إن رأيا تعذر الوفاق بينهما كما أن عليهما أن يسعيا إلى الجمع في حال رجائهما الألفة بعد النفرة والوئام بعد الخصام، وأما على القول بأن وظيفتهما لا تعدو الشهادة على الزوجين أو الوكالة عنهما فلا يسوغ لهما التفريق بينهما لأن بعثهما لا يعدو أن يكون للإصلاح بينهما وتحديد وسائل كبح جماح المشاقق منهما كقطع النفقة عن المرأة حتى تستقيم بعد اعوجاجها وتحسن معاملة بعلها، وفرض النفقة على الزوج مع عدم تمكينه من المرأة إلى أن ينقاد لمطلب الشرع في رفع الإساءة عنها وإمساكها بالمعروف كما أمره الله تعالى، ولكل واحد من القولين نصراء من أهل العلم سلفا وخلفا فالقول الأول محكي عن عدد من الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- فقد روي قضاءً عن الخلفاء الثلاثة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وهو مذهب ابن عباس، وقال به سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي سلمة والقاضي شريح والنخعي والشعبي وإليه ذهب مالك والشافعي –في أحد قوليه– والأوزاعي وإسحاق وأحمد –في إحدى الروايتين عنه–، وبالغ ابن كثير حيث قال: "وقد أجمع العلماء على أن الحكمين لهما الجمع والتفرقة"، ودعوى الإجماع مردودة بما نقله ابن كثير نفسه -كما رواه من قبله ومن بعده- من الرأي المخالف لهذا عن بعض السلف، وسيأتي ذلك إن شاء الله، وقال ابن عبد البر: "أجمعوا أن قولهما نافذ في الجمع بينهما بغير توكيل من الزوجين، واختلفوا في الفرقة بينهما هل تحتاج إلى توكيل من الزوج أو لا؟".