الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ١٠7- الإشاعات الكاذبة، والدعايات المضلِّلة التي تنطلق عن دوافع سياسيَّة غالباً، فتصل إلى ناس موثوق بهم، فتجري على ألسنتهم أو أقلامهم، فتتلقَّفها الآذان دون معرفة مصدرها الحقيقيِّ، والدوافع السياسيَّة الماكرة إلى الإيحاء بها.
هذه بعض الجوانب التي كانت تؤثِّر على الكتَّاب الأقدمين، وقد انتبه إليها بعضهم، وعرف مدى تأثيرها على المؤلِّفين، وما يتسبَّب عنها من أباطيل تلتصق بطوائف من المسلمين هم منها أبرياء.
يقول أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعريُّ(1) ما يلي:
«ورأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات، ويصنَّفون في النحل والديانات، من بين مقصِّر فيما يحكيه، وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه، ومن بين معتمدٍ للكذب في الحكاية، إرادة التشنيع على من يخالفه، ومن بين تارك للتقصِّي لروايته فيما يرويه، من اختلاف المختلفين، ومن بين من يضيف إلى قول مخالفيه ما يظنُّ أنَّ الحجَّة تلزمهم به». فأنت ترى أن أبا الحسن الأشعريَّ ــ وهو من أوائل من كتب في هذا الموضوع ــ قد انتقد عدَّة عيوب في أولئك الذين يتصدَّون للحديث عن مخالفيهم، كالتقصير في التحقيق، واعتماد الكذب والغلط وعدم التقصِّي في البحث، والزيادة في الأقوال لإلزام المخالفين الحجَّة.
أمَّا الشهرستانيُّ في كتَابه (الملل والنحل) فهو لم يذكر نقداً بهذه التفاصيل وإنَّما أشار إليها من طرف خفيٍّ، فقد قال ما يلي(2) :
«وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كلِّ فرقة على ما وجدته في كتبهم، ومن غير تعصُّب لهم، ولا كره عليهم، دون أن أبيِّن صحيحه من فاسده، وأعيِّن حقَّه من باطله».
(1) - مقالات الإسلاميين طبعة النهضة 1369هـ ص33.
(2) - الملل، والنحل طبعة 1368 هـ ص 60 من الجزء الأول.